ما يحز في النفس حقا، هو أن تقرأ مثل هذه التعابير على لسان إخوة وأخوات لنا من العرب! منهم من يذيلها بتبريرات سخيفة، إن دلت على شيء فإنها تدل على انعدام العقل والمنطق، بل انعدام الإنسانية! هل حقا يعقلون ما يقولون؟

كلا، لا يهمني.. أظهر لي صور التوابيت، وانشر أمامي ما لديك من صور الجثث الطافية في الماء، ثم اعزف الكمان وأنت تبين لي صور أناس هزيلي المظهر بوجوه حزينة، ورغم كل ذلك، سأكرر أمامك: كلا لن أهتم! لنُغرق هذه المراكب، لنطلق عليها السفن الحربية ونقصفها، أو لنعدهم من حيث أتوا ولنحرق تلك المراكب حتى لا يتجرأ ويأتينا المزيد! هذا ما كتبته إحدى إعلاميات الغرب في صحيفة توزع على مليوني قارئ تقريبا، ويؤازرها كثر.
أذكر هنا أن أحدهم قال: لنرمهم في البحر فتأكلهم القروش! يا سادة ما الشر سوى انعدام التعاطف؟ كم أشعر بالقرف والاشمئزاز كلما قرأت مقالات أو تعليقات لأناس من المفترض أنهم ينتمون إلى جنس الإنسان وهم أبعد ما يمكن عن ذلك، أناس بنفوس تواقة للأضواء والشهرة، يسعون إليها من خلال بث الكراهية، يقتاتون على عقول الجهلة والعنصريين أمثالهم، وفوق كل ذلك يجدون من يقدم لهم المنصة ليقذفوا ما بدواخلهم من قاذورات!
ما يقوم به هؤلاء وأمثالهم هو نفس ما قامت به الوحوش البشرية من قبلهم، إن أبحرنا من الآن إلى أقصى ما نمتلكه من ذاكرة، حيث سنرى كيف تصرف البعض ليتخلص من مجموعة أو أفراد كان يراهم أعداء تجب إزاحتهم أو طردهم أو حتى إبادتهم، وكيف أنهم لجؤوا إلى شيطنة هذا العدو في أعين العامة، ومن ثم لا تعود المجاميع تهتم لكل ما يجري من تعديات على هذا الآخر، يسمعون عن الموتى وكأنهم يستمعون إلى أرقام وليس إلى مأساة أرواح بشرية. لنعد إلى الدعاية التي اتبعتها النازية وكيف أنها قامت بسلخ صفة الإنسانية عن عدوها من خلال المصطلحات التي أدخلتها وصاغتها خصوصا؛ من أجل سهولة التخلص منهم دون أي اعتراض، بمعنى أن المشاعر تبلدت والنفوس دجّنت فلم تعد تهتم بما يجري من قتل وتنكيل وتعذيب، فمثلا تم وصف الشعب البولندي بصرصور شعوب شرق أوروبا، واليهود بالفئران التي وجب تطهير الأمة منها، وماذا عن متطرفي الهوتو في رواندا الذين استخدموا إعلامهم في التحريض ضد التوتسي لإبادتهم حين طالبوا الناس بمساعدتهم للتخلص ممن أسمتهم بالصراصير، ولا ننسى العدو الصهيوني حين وصف، ولا يزال، العرب بالصراصير والحيوانات وكل الصفات التي تجردهم من الإنسانية، واليوم نعود ونسمع المصطلحات نفسها تطلق على اللاجئين الذين هربوا من ويلات الحروب والموت والمجازر، والذين بالتأكيد لم يقصدوا أوروبا بقوارب الموت من أجل السياحة!
نعم رأينا كيف أن ألمانيا التي تعلمت من مأساة تاريخها، كيف أن الإنسان حين يبتعد عن الحضارة يقترب إلى الوحشية، ولهذا نراها تتمسك بالقيم الإنسانية؛ لأنها تؤمن بأن الحضارة هي التعاطف مع الآخر مهما كان لونه أو جنسه أو عقيدته، ورأينا أيضا بعض الدول الأخرى مثل المجر كيف أنها تعاملت مع اللاجئين بكل وحشية، لاحقتهم وقامت بضربهم وجمعهم في أقفاص وقذف الطعام إليهم وكأنهم حيوانات، حتى جمعيات الرفق بالحيوان كانت ستعترض على هكذا معاملة! ولكن يظل الأمل في الشعوب التي خرجت بعشرات الآلاف تعترض على سياسة دولهم المعادية وغير الإنسانية، ومنها الدنمرك وبريطانيا، سبحان الله كيف يقطع من مكان ويصل في آخر؟!
ما يحز في النفس حقا، هو أن تقرأ مثل هذه التعابير على لسان إخوة وأخوات لنا من العرب! منهم من يذيلها بتبريرات سخيفة، إن دلت على شيء فإنها تدل على انعدام العقل والمنطق، بل انعدام الإنسانية! هل حقا يعقلون ما يقولون؟! لا والله، بل كل ما في الأمر أنهم بلا ضمير يريدون فقط تحريك المياه الراكدة، وخلق الصدام من أجل إثارة البلبلة، ومن ثم الرجوع إلى الخلف والتسلية بكل ما يخرج من ذلك من نقاشات عفنة وكلمات بذيئة، وكأنه لا تحلو لهم التسلية إلا في المستنقعات!
حقا وصلت إلى إيمان بأنه يوجد فئام من البشر لا يمكن إنقاذهم، لقد وصلوا إلى الدرك الأسفل من الحقارة، بحيث إن مددت يدك إليهم اتسخت وقد يتم قطعها! فكيف تواجههم إذن؟ بأن تتجاهلهم أولا، ثم توجه جل قدراتك بالحراك المضاد من الأخلاقيات والقيم الإنسانية، تواجه بمد يدك ومساندة كل من يقف إلى جانب هؤلاء المنكوبين سواء أكانوا من بلدك أم من الخارج، تبحث عن القلوب البيضاء والنفوس النقية وتؤازرهم في حملاتهم الإنسانية لإغاثة إخوتنا، وفي الوقت ذاته، لا تكتفي بأن تكون المتلقي، ابحث واسأل عما يجري في الساحة العالمية: لماذا الآن؟ من حرّك فجأة كل هؤلاء المهربين من تجار البشر لتهريب هذه الأعداد الكبيرة من اللاجئين؟ من المستفيد؟ لماذا تم نقل جثمان الطفل إيلان من مكانه على الشاطئ وتم تصويره في وضعية أخرى ومن ثم نشر الصورة عالميا؟ لماذا يتم تفريغ المناطق من أهاليها وشبابها خاصة؟ ولماذا لا ينتظرون حيث هم إلى أن تتم لهم العودة إلى بلادهم؟ نحن نعلم أن الدول تقوم على شبابها، من سيقوم بإعادة البناء؟ لماذا لم يطلبوا اللجوء من الدول التي وصلوا إليها أولا، وفضلوا المخاطرة بالموت لهم ولأسرهم من نساء وأطفال في مراكب الموت؟ ولنستمر بالتساؤلات.. من، ومتى، وكيف، ولماذا؟ يجب أن ندرك ما يحدث من حولنا من أجل أن نعمل على حماية أوطاننا من جهلة الداخل وشياطين الخارج، ومن كل ما قد يشتت شملنا ويعرض أبناءنا وأبناء أمتنا للضياع والتشرد.