واصل العدو الصهيوني نهجه العدواني التوسعي رغم كل التنازلات التي قدمها العرب والفلسطينيون من أجل السلام، وقد حان الوقت لمراجعة عربية شاملة للسياسات التي اعتمدت تجاه القضية الفلسطينية
لم يُخفِ العدو الصهيوني نواياه تجاه المدينة المقدسة، منذ احتلاله شطرها الشرقي، إثر نكسة الخامس من يونيو عام 1967. فقد أعلن موشي دايان وزير الحرب الإسرائيلي، إثر هزيمة الجيوش العربية واحتلال القدس الشرقية، أن على قادة مصر وسوريا والأردن الذين احتل الكيان الغاصب مساحات واسعة من أقطارهم، الدخول في مفاوضات مباشرة معه من أجل التوصل إلى اعتراف وصلح متبادل، وإنهاء حالة الحرب بين العرب وإسرائيل، إذا ما أرادوا استرجاع أراضيهم التي وقعت تحت الاحتلال. أما فيما يتعلق بمدينة القدس، فلن يتم إعادتها للأردن، وستكون العاصمة الأبدية للكيان الصهيوني.
ومنذ ذلك الحين، تتالت تصريحات عدد كبير من المسؤولين الصهاينة حول اعتبار مدينة القدس عاصمة أبدية لإسرائيل، وتزامنت تلك التصريحات مع عملية تهويد منهجية وكاملة للمدينة المقدسة. وقد شملت عملية التهويد تزوير معالم المدينة وتغيير هويتها العربية والإسلامية. وفي حينه، أكد متطرفون يمينيون صهاينة في عدد من وسائل الإعلام الإسرائيلية أن لا معنى لقيام الدولة الإسرائيلية ما لم تدمج القدس بها وتصبح في القلب منها.
وخلال المفاوضات الطويلة التي امتدت قرابة خمسة عقود، منذ حرب يونيو، بهدف تحقيق تسوية سياسية للصراع العربي الصهيوني، حال الصهاينة دون مناقشة وضع القدس، ووضعوا العراقيل للحيلولة دون وضعها على أجندات تلك المفاوضات، ولم تفلح المبادرات الدولية والإقليمية والعربية في تغيير موقف الكيان الغاصب من المدينة المقدسة، وكان ذلك تنكرا وخرقا فاضحا لقرارات مجلس الأمن الدولي ولميثاق هيئة الأمم المتحدة والشرعية الدولية التي اعتبرت القدس الشرقية مدينة تحت الاحتلال، ورفضت أي تغيير في معالمها وهويتها الفلسطينية.
وحتى حين جرى توقيع اتفاقية أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية، والكيان الصهيوني عام 1993، فإن كل محاولات المفاوض الفلسطيني لجعل مدينة القدس جزءا من الأراضي التي يجري التفاوض عليها باءت بالفشل، بسبب تعنت المفاوض الإسرائيلي. وفي النهاية جرى الاتفاق بين المتفاوضين، على إرجاء موضوعها إلى مفاوضات الحل النهائي التي ستجري بين السلطة الفلسطينية والكيان الغاصب، بعد خمس سنوات من توقيع الاتفاق، لكن تلك المفاوضات لم تتحقق حتى بعد مضي أكثر من اثنين وعشرين عاما على توقيع اتفاقية أوسلو.
لقد عول الصهاينة على استثمار الوقت، من أجل وضع استراتيجيتهم في تهويد القدس، قيد التنفيذ. ولم يكن التسويف والمماطلة، والخضوع أحيانا للضغوط الدولية فيما يتعلق ببناء المستوطنات، سوى تكتيكات مرحلية على طريق الإدماج الكامل للمدينة المقدسة في المشروع الصهيوني.
والنتيجة أن إسرائيل أكدت بنهجها التوسعي، أنها تعتبر ضم القدس لكيانها أمرا محسوما لا يمكن أن يكون موضوع مساومة، أو خضوعا لأي اتفاق أو تفاهمات دولية.
وما دام الهدف الأثير لإسرائيل هو ضم مدينة القدس لكيانها وطمس هويتها الفلسطينية والعربية والإسلامية، فإن تغيير معالم المسجد الأقصى يصبح مهمة جوهرية في طمس هوية المدينة المقدسة، وليعاد لخرافة الهيكل مجددا حضورها على أنقاض المسجد، دون وضع أي اعتبار للحقائق السياسية، أو القوانين الدولية.
اتجه الكيان الصهيوني، منذ احتلال المدينة المقدسة، بشكل منهجي نحو تهويدها. فُتح أولا لليهود حق الدخول إلى المدينة، تحت ذريعة إقامة شعائرهم الدينية فيها، ثم بدأت حركة استيطانية بزخم تتجه صعودا، كلما تقادم الزمن. ولم يتردد الكيان الصهيوني في بناء المستوطنات، وكانت الخطوة التالية عمليات حفر مستمرة تحت المسجد بذريعة البحث عن الهيكل، وفي تزامن مع ذلك، تشجيع المتطرفين الصهاينة على استفزاز الفلسطينيين أثناء تأدية صلواتهم بالأقصى، بل وحرق المسجد من المتطرفين الصهاينة، وتحميل المسؤولية لمعتوهين كما حدث في قضية باروخ برنشتاين 1969، وقد تكرر ذلك مرات عدة، منذ احتلال المدينة عام 1967.
ولم يقتصر الأمر على ذلك، فليس يكفي لتهويد المدينة المقدسة أن تغير معالمها، وأن تتسع دائرة الهجرة اليهودية لها، وأن تبنى المستوطنات فيها، بل لا بد من نفي الآخر، والآخر هنا هم المقدسيون الذين عاشوا على هذه الأرض جيلا بعد جيل لآلاف السنين. ولأن هذا النفي هو الذي يحقق نبوءة جولدا مائير في أرض بلا شعب لشعب بلا أرض.
وهكذا عمل الصهاينة، من خلال التهجير والقتل ومصادرة الممتلكات والأموال وهدم المنازل وتجريف الأراضي الزراعية ومنع البناء وتحويل العيش في القدس بالنسبة للفلسطينيين إلى جحيم، والهدف هو دفع الفلسطينيين على الرحيل عن مدينتهم المقدسة.
ولم يتردد المسؤولون الصهاينة عن المشاركة بشكل مباشر في هذه الخطط.
دخول شارون مع شلة من حراسه إلى المسجد الأقصى، في مطالع هذا القرن؛ أشعل انتفاضة فلسطينية كبرى، عرفت بانتفاضة الأقصى. واليوم يطرح الصهاينة علنا فكرة التداول بين اليهود والمسلمين. فتحدد أيام معلومة للمسلمين ليؤدوا صلاتهم في المسجد، وأيام أخرى لليهود. ويأتي ذلك في إطار الخطة المرحلية للتهويد النهائي للمدينة وحرمان المسلمين من أداء صلواتهم في أولى القبلتين.
قضية حماية القدس ليست فلسطينية محضة، بل هي قضية عربية وإسلامية بامتياز. وليس مقبولا التهاون في شأنها، والكيان الصهيوني سيواصل سياسته التوسعية والعدوانية ما لم يواجه بردود قوية وحاسمة دفاعا عن المدينة المقدسة وعن عروبة فلسطين.
واصل العدو الصهيوني نهجه العدواني التوسعي، رغم كل التنازلات التي قدمها العرب والفلسطينيون من أجل السلام، وقد حان الوقت لمراجعة عربية شاملة للسياسات التي اعتمدت تجاه القضية الفلسطينية. مراجعة تعيد الاعتبار لحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم المستقلة، فوق ترابهم الوطني، ولا تنتقص من حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم.
فهل من نخوة وهبة عربية قادمة لإنقاذ المدينة المقدسة؟!