الحرية ليست مقابلا موضوعيا مجردا لكلمة عبودية، بل معنى ممتد باتجاه كل قيد مفتعل يمنع الإنسان عن إطلاق أقصى ملكاته وقدراته ومواهبه الروحية في كل الاتجاهات عبر هذا الجسد الفاني

قل للناس: لا تخيفني العين، لا يخيفني السحر، تخيفني فقط الكلمات، لولا الكلمات لكنا خواء، مجرد همهمات عجماء، كلماتك هي أنت أيها الباحث عن معنى يليق بك، أنت لست سوى قاموسك منذ ميلادك وحتى اللحظة، راجع تراث أسلافك، راجع نفسك، راجع تراب أرضك، قف على قدميك وتحرر، فقاموسك يشرب ما حولك، احذر من سموم الكلمات أن تدمر إحساسك عبر غبار التاريخ وسفسطة الحاضر، إذ تصر على تسمية الحرية إباحية، فمن علمك تشويه الكلمات، لماذا تهتك اللغة، وتغتصب المعاني؟ لماذا تطعن في شرف الكلمات العظيمة؟! لماذا لا تحس بهذا الشرف الكامن في الحرية؟! لماذا تريد تقييد الحرية بظنونك وأوهامك وهواجسك المرتابة الخائفة الجبانة، ثم تسمي كل هذا الخوف والريبة ضوابط رشيدة؟!
تخاف الكلمات، نحن معك نخاف منها أكثر منك، لكن ما يملأ القلب قيحاً وصديداً، أن تسمع من يفرغ الكلمات الشاهقة من معناها لتصبح الحرية العظيمة مجرد إباحية، فما أقبح هتَكَ اللغة واغتصاب المعنى، لا يفعله إلا أصم القلب معلول العقل.
ليست الحكمة في تكرار الدلالات القديمة، بل في توسيع المفهوم نحو الأرقى والأسمى، فالحرية ليست مقابلا موضوعيا مجردا لكلمة عبودية، بل معنى ممتد باتجاه كل قيد مفتعل يمنع الإنسان عن إطلاق أقصى ملكاته وقدراته ومواهبه الروحية في كل الاتجاهات عبر هذا الجسد الفاني.
هل للكلمة شرف؟ نعم، للكلمة شرف تأخذه من تاريخها الإنساني الطويل في رحلتها بين تنوع الدلالة واتساع المفهوم، ويا للأسف هناك مجتمعات لا تحمي شرف الكلمة، فكل الكلمات الشاهقة تصبح مجرد عاهرات في أطراف الشوارع على السنة السذج والمعتوهين، والسبب واعظ يقول: الحرية إباحية!
الإباحية أن تستبيح أرض المعاني، وتهتك أستار اللغة، وتغزو غزواتك القديمة للسبي، فتخرج ما في كنانتك من سهام مسمومة باتجاه الشعر، باتجاه الفن، باتجاه الموسيقى، فيصبح الشعر مجرد نظم بليد، والفن مطأطئ الرأس، والموسيقا تختبئ وراء نغمة فاتنة في جوال عابر، يطفئه الخائفون قبل أن يرتبك القطيع.
أعطني كلمتك أعطيك كلمتي، تلك خلاصة الحياة بين حبيبين، بين صديقين، بين تجار يعقدون صفقة، بين مجرمين يخططون لسرقة، بين دول تخطط لحرب، بين ساسة يستعدون للسلام، ليس بين هؤلاء جميعا سوى ميثاق الكلمة، فالكلمة شرف.
تمضي الساعات الطويلة بين الناس ولا تسمع كلمة، مجرد أصوات إشارات ضحكات صرخات، أشياء كثيرة تتقاطع مع كل الثدييات، نحن الأرقى فقط، لأننا الجنس الوحيد الذي يقول الشعر، ويعطش للموسيقا، ويبحث عن المسرح والسينما، ويحتاج الصلاة بين كل هذا لتكتمل صورة الإنسان.
تمضي الساعات الطويلة بين الناس يمضغون فضول المفردات، ولا يقولون كلاما، قليلون ونادرون هم أولئك الذين يدركون شرف الكلمات ومعنى الميثاق، ومن يعرف هذا، يخاف بكل ما في الخوف من قلق وتوجس ورهبة وخفقان ورعدة، يخافون من قطاع الطرق الصائلين على قواميس الناس وشرف كلماتهم ليكسروها ويسحقوها، لتصبح متكلما بلا شرف، بلا ميثاق، بلا عروة تساعدك على الوقوف أمام هذا الكون وتقول: أنا إنسان أستحق كل ما في الحياة من حق وخير وجمال، من أقصى العدل إلى أقصى الفن وبينهما ابتسامة طفل، إنهم يحطمون كل هذا بدم بارد وضمير ميت.
لا ترموا الكلمات على بعضكم كأنما هي قشر الموز أو بقايا معلبات فارغة، هناك بينكم من يشعر بكل كلمة تقولونها، يربكهم تيهكم بمحفوظاتكم التي لم تستوثقوا معانيها لتعرفوا جلالها أو قبحها، فالثقافة ليست مذاكرة جيدة، بل حس مرهف ووجع لأجل العالم.
تخلصوا من نفايات الكلام، تخلصوا من قطاع الطرق سارقي شرف كلماتكم، تخلصوا من قلة احترامكم لكل كلمة تزجون بها أوقاتكم، فالكلمة هي شرفكم الممتد منذ التشهد الذي قرأه والدكم في أذنكم عند ميلادكم، إلى تشهد يلقنه إياكم أبناؤكم قبل موتكم، بأنه (لا إله إلا الله)، فلماذا قطاع الطرق في ثياب الأحبار والرهبان يملؤون الشوارع يسرقون حياتكم/لغتكم وتسكتون..؟ إياكم أن تتخذوهم أربابا من دون الله وأنتم لا تشعرون.