داعش امتداد متطور للفكر الإرهابي الذي تشكل في صور ومسميات عدة سابقا، استغل حاجة الشباب لما يعزز هوياتهم ويثبت قوتهم ويذكي حماسهم نحو تحقيق أهداف عليا، فأصبح الانقياد له سهلا لمن يبحث -بوعي ومن غير وعي- عن هوية غائبة داخله
هناك صراع ينتج عن التقوقع داخل دائرة هوية واحدة رافضة للتفاعل والتعاطي مع الهويات الأخرى التي يعتبر تواجدها أمرا طبيعيا في أي مكون اجتماعي على مدى التاريخ، فالدورة التاريخية للحضارة الإسلامية انعكست وعادت للحضيض بسبب هذا الانغلاق على هوية واحدة أو عدة هويات محدودة. قاد هذا الانغلاق إلى التطرف الطائفي والإرهاب والاقتتال الملحوظ على مستوى البلدان العربية والإسلامية وعلى مستوى المجتمعات داخل البلد الواحد، لتضيق دائرة تقبل الآخرين حتى تلفظ خارجها أي فعل وممارسة جيدة أو مقبولة ممن لا ينتمي لها، بل وتعتبر محاربة الآخر وسيلة لتعزيز سمات تلك الهوية، ما أنشأ أجيالا تقوم برفض تلقائي للتفاعل مع الهويات الأخرى التي أسهمت في نشوء وتكون حضارات سابقة تضم تحت جناحها مختلف العلوم والفنون والسياسات الأخرى. والرفض قد يأخذ عدة أشكال تتفاوت في عنفها وبشاعتها وقسوتها.
فهل هذا يعني أن الهوية شرُ مطلق؟
الهوية مطلب ملح لأي إنسان، يحتاجها كشعور نفسي يعزز لدية السمات التي تميزه عن غيره من جهة والتي تجمعه بالآخرين من جهة أخرى. والحقيقة أن الإنسان في بحث دائم عن هويته مهما أنكر أو حاول التعالي على هذا الشعور، هذا باعتبار أن جميع الصفات التي تتكون منها شخصياتنا هي أحد مكونات هوياتنا. ما يحصل أن الانسلاخ القسري عن الهوية يخلق نوعا من الفراغ داخل الإنسان، فيحاول أن يملأ هذا الفراغ بأي بديل وصل إليه بقناعة ذاتية أو بإقناع من آخرين، وفيما يتعلق بالقومية العربية نلاحظ أن الاندفاع بغرض الانتماء للحركة العروبية أيام ذروتها كان في أوجه، لأنها أشعلت فتيل الحماس في نفوس الشباب، وربطتها بأهداف سامية يتسابقون إليها كان أبرزها قضية فلسطين. وفي مثال آخر أقرب تاريخيا إلينا من الناصرية وتياراتها، ذلك الاندفاع والحماس أُشعل في صدور المئات من الشباب العرب -والسعوديين بالذات- في منتصف الثمانينات ولعدة سنوات الحماسة لخوض الحرب الأفغانية ضد السوفيات بهدف الجهاد ومناصرة المسلمين. في هذين المثالين نلاحظ أن هذا الحماس الذي يصل إلى التضحية بالنفس كان هدفه إثبات وتعزيز الهوية العربية والإسلامية. رافق تلك الحقبة ما رافقها من تيارات إسلامية مختلفة، على رأسها ما سمي بـالصحوة التي كانت المفصل الأهم في الانغلاق على السمات التي شكلتها والتي تقصي الآخرين وترفضهم لدرجة خلق تبريرات تؤدي إلى العنف معهم. رافق تلك الفترة أيضا تمييع لمعنى الوطنية لخدمة أجندة (هويات) أخرى، وتسارع الالتفاف حول صراع المذاهب وتحويلها لقضايا كبرى أدت إلى طائفية قاتلة في المنطقة.
جاء أخيرا ما يعرف باسم داعش وهو امتداد متطوّر للفكر الإرهابي الذي تشكل في صور ومسميات عدة سابقا، استغل حاجة الشباب لما يعزز هوياتهم ويثبت قوتهم ويذكي حماسهم نحو تحقيق أهداف عظمى وأعمال شجاعة. صور لهم داعش -مستغلا الثغرات التي خلقتها الأفكار السابقة في المجتمع- أن القضية التي سيخدمها الأفراد المنتمون باندفاع له هي ثنائية الحق والباطل، الخير والشر، الجنة والنار، باعتبار النموذج الإسلامي الذي تظهر به داعش هو الحق والخير المؤديان إلى الجنة هدف جميع الناس. فأصبح الانقياد لهذا الفكر الإرهابي سهلا لمن يبحث -بوعي ومن غير وعي- عن هوية غائبة داخله.
نعيد التساؤل أعلاه بطريقة أخرى: هل الهوية مهمة لتحسين الحياة في المجتمعات؟ بالتأكيد نعم. فتعزيز الهويات وتنويعها داخل الفرد والمجتمع بطريقة صحيحة وصحية يساعدان على بناء مجتمع متحضر وواع. كما يمكن أن يُعالجا الضعف والخلل اللذين يوجدان في شخصيات كثير من شباب اليوم مسلوبي الهوية والانتماء عن طريق تعزيز الهوية الإسلامية الصحيحة التي تدعو للسلام وتقبل الآخرين والانفتاح على العوالم الأخرى، والأخذ من حضاراتهم وعلومهم دون فقدان للقيم الإسلامية الصحيحة. وأيضا تعزيز الهوية الوطنية لديهم عن طريق زيادة حس الانتماء للوطن، ما يسهم في عمارته وتطويره والدفاع عنه. وجعل هاتين الهويتين هما القيمة الأهم في نفوس النشء والأولى بالرعاية والاهتمام في المنزل والمدرسة ومؤسسات المجتمع المختلفة، توضع لها خطط وبرامج فاعلة. كذلك فإن النزعة القبلية وسلطة القبيلة التي تشكل الانتماء المتجذر لدى غالبية المجتمع والهوية التي يُفاخر ويعتد بها أكثر من أي أمر آخر، والتي تعد أعرافها وعاداتها وقيمها أهم وأقوى في سلطتها على الفرد، يمكن استغلالها لترسيخ مفهوم المواطنة، ولعلنا نلحظ أن الخشية من العيب والعار القبلي أقوى سلطة من الحرام في الشرع وأجدى من النظام والقانون إن وجد، لهذا ينبغي استثمار هذه الأمور في تعزيز الهويات الأهم وتهذيب الشاذ منها.
يقول المفكر أمارتيا سن في الفصل الأخير من كتابه القيم الهوية والعنف، تحت عنوان (الحرية في أن تفكر): للتقليل من الهوية الإنسانية عواقب بعيدة المدى. ذلك أن الوهم الذي يمكن أن يُلجأ إليه من أجل تقسيم الناس إلى أصناف قاسية بشكل فريد يُمكن أن يُستغل لتأييد زرع الفتنة داخل الجماعة الواحدة. وفي هذا الوقت الذي يشهد صراعا داميا على المستوى العالمي والإقليمي والمحلي نحن أحوج ما نكون لكل ما يعيد الإنسانية والعدالة والسلام للحياة، وتقبل تعدد الهويات في المجتمع الواحد والتصالح معها كخطوة أولى على الطريق الصحيح.