نكاد نغرق في هذا المد الإلكتروني الذي ينقل كثيرا من تفاصيلنا التي كان العلم بها محدودا، لكن هذه الخصوصية صارت مخترقة وصارت الأنماط والبرامج الإلكترونية نوافذ نتسلل خلالها إلى عوالم خاصة جدا
من أكثر الأشياء كرها عندي هي سطوة الاستعراض والفشخرة وتغلب سلوك المهايط لدى بعضنا في الداخل والخارج، أي في حلنا وترحالنا، ومن هنا يتدافع البعض إلى المحاكاة والتقليد، وبالتالي يحملون أنفسهم فوق وسعها وطاقتها، على أن بعض هذه السلوكيات الخارجة ليست متعدية في ضررها إلى الغير، ولكن قد يقتصر ضررها على ممارسها، مثل استعراض بعض شبابنا خلال الإجازات في الخارج بالسيارات الفاخرة، لكن السلوك المتعدي في الضرر هو ما نلحظه من الإسراف الزائد في ولائم الأفراح التي يبالغ بعض المهايطية في التنافس فيها، من خلال بسط الصواني العامرة بذبائح الإبل والغنم فوق تلال من الأرز، في محاولة من المضيف إظهار الامتنان والتقدير لضيفه.
وصار البعض يعمد إلى تصوير المناسبة ثم إطلاقها عبر الوسائط الإلكترونية، مصحوبة مع بعض الإنشاد الشعري الذي يحمل نفسا قبليا وفوق ما يمكن رصده كمأخذ على عودة النزعة القبلية، وما قد يصحبه تباهي كل قبيلة بأمجادها ومفاخرها من تأجيج العنصرية وتكريس الانتماء القبلي مقدماً على الانتماء الوطني الجمعي لكل المشارب والأجناس والأعراق التي تجمعها وحدة هذا التراب، فإن ذلك كله يضاف إلى ما قد ينتج عن انتشار ظاهرة الإسراف والمبالغة في الولائم من هدر غذائي، وما قد يتبعه من عقاب رباني على عدم إكرام النعم بشكرها وحفظها من الهدر.
إن تناقل اليوتيوبات المصورة لمثل هذه المناسبات يمكن أن تسهم في تعزيز هذا السلوك الشائن لدى الصغار الذين صارت الوسائط جزءا رئيسا من تشكيل ذائقتهم وتوجيه سلوكهم في الاتجاه الخاطئ، لا سيما أن الأجهزة الذكية وما تحتويه من عالم افتراضي وما تخلفه في نفوس الناشئة من ارتباط وثيق، جعلها أحد العناصر الرئيسة في بناء ميولات الشباب المستقبلية على نحو صار يتفوق ـ ربما ـ على دور وتأثير الأبوين والأسرة، ويتضح مثل ذلك فيما نشاهده من تأثير هذه الوسائط وتغريرها بالشباب من خلال الانخراط في التنظيمات الإرهابية وانقيادهم السلس والسريع والوقوع في مسالك الانحراف بيسر وسهولة.
إننا نكاد نغرق في هذا المد الإلكتروني المرئي الذي يصور وينقل كثيرا من تفاصيلنا التي كان العلم بها محدودا لا يكاد يتجاوز محيطها الصغير، لكن هذه الخصوصية صارت مخترقة وصارت الأنماط والبرامج الإلكترونية من
واتساب، وسناب شات وإنستجرام نوافذ نتسلل خلالها إلى عوالم خاصة جدا، ويعمد البعض إلى توظيف هذه البرامج بطريقة سلبية ثم نشرها في فضاء الله الواسع.
بقي أن أتمنى على من يهمهم الأمر أن يعاملوا بعض استعراضاتنا الخايبة ومباهاتنا الولائمية المعيبة بالحجب، مثلها في ذلك مثل الأفلام الخليعة، وذلك لأن المهايط الفارغ والإسراف المعيب يجرح كرامة المحتاجين وعوز الجائعين وزمهرير اللاجئين الذين تتلقفهم المهاجر في حين ننعم بالرخاء والرغد ولا نبالي، ونحن نغالي في تبذيرنا باحتمالات العقوبة وسلب النعم التي تحتاج مزيد الشكر لتبقي وتزداد.