قلت لمعالي الصديق الغالي، عبدالرحمن السدحان، أمين عام مجلس الوزراء، ونحن في ساعة انفراد ولا حديث لنا سوى الوقوف على الأطلال: ما سيبقى في حياة الإنسان سوى ألبوم الذاكرة. قرأت له سحائب الذكرى من قبل، ثم قلت له ظهر الأربعاء الماضي إنني وجدت فيها ألم الأماكن والمحطات في رحلة العمر، سألته: ما الذي بقي لديك من الحب والعاطفة؟ وما هو المكان الأثير في ذاكرة الألبوم من بين أبها وزحلة لبنان وجنوب كاليفورنيا الأميركية؟ قلت له بكل وضوح إن المناصب مهما ارتفعت ستبقى في ركن هامشي ثانوي في ذات الألبوم، لأن الإنسان هو قصة الأماكن لا المكاتب. وفي صدفة البرهان، وصلت إلى لقاء أبومحمد صباح إكمالي كتاب السيرة الذاتية أحلام من أبي لباراك أوباما. طفل تائه يعيش مع جده بعد طلاق أمه في جزيرة نائية من هاواي. رحلة قصيرة إلى جزر إندونيسيا مع والدته التي تذهب إلى زوج جديد. عودة إلى كنف جده لأمه لأن الطفل أدرك أنه عبء على حياة أمه الجديدة وهو يريد لها أن تنجح. مراهقة كانساس ثم الرحلة الأولى إلى جامعة شيكاغو ومن ثم كولومبيا، نيويورك.
والخلاصة أن قصص النجاح قد تتشابه في حالات كثيرة مع بعضها البعض وأنا لا أكتب اليوم عن شخص الغالي، عبدالرحمن السدحان، بقدر ما أكتب بشارة الأمل للآلاف من الجيل الصاعد كي لا يستسلموا لقسوة الظروف ووطأة الأماكن. لم يعرف عبدالرحمن السدحان درسه القاسي الأول في هذه الحياة سوى أنه يعيش في كنف جده، وطفل في العاشرة يبحث عن دكان أبيه لأكثر من أسبوع في الطائف. مراهق يشحن بطائرة إلى بيروت ومنها إلى زحلة حيث عاش ليالي البكاء الطويلة تحت ضغط ألبوم الذاكرة وشوقه المخيف إلى وجه والدته. شاب يعود إلى برحة القزاز بالطائف منتظراً وجه أمه ليهبط عليه من سيارة لوري في مواكب الحجيج، ثم يصدق إحساسه ليجد نفسه مباشرة في حضن أمه بعد فراق هذه السنين، ثم لك أن تتخيل هذا المشهد الدرامي الباكي الحزين: أم تتكور على طفلها وكأنها تتخلى عن عظامها النحيلة الجافة كي تصل إلى كل لحمة في جسد الأثير البكر. مبتعث يصل إلى جنوب كاليفورنيا ثم يعود منها بشهادتين فلم ترحل أمه من هذه الدنيا إلا وقد رأت مشروع بكرها الغالي وقد استحال إلى منصبه العالي إلى هذه اللحظة. أم كانت تضع قطعة الخبز على الباب كي يلتقطها ابن زوجها السابق ثم تموت في حضنه وقد أصبح ملء السمع والبصر، وأنا لا أكتبه اليوم بقدر ما أكتب قصة الأمل التي ولدت في أحضان اليأس المكتمل لآلاف الشباب الذين يعيشون نفس ظرفه ولهم أقول: لا يولد النجاح إلا من قلب الهزيمة.