كان الأجدر بمجلس الشورى التوصية بسرعة اعتماد لائحة إقرار الذمة المالية للوظيفة الحكومية، لأنها الآلية المناسبة لتفعيل 'من أين لك هذا؟'. فإقرار الذمة المالية من الأدوات الوقائية لمكافحة الفساد

رفض مجلس الشورى مؤخرا، توصية لتمكين الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد نزاهة من كشف حسابات الأشخاص المشتبه بهم في قضايا الفساد عن طريق مؤسسة النقد.
تأتي هذه التوصية باعتبار كشف الحسابات البنكية وسيلة مهمة للكشف عن جرائم الفساد، ولكن ذلك يتعارض مع اختصاصات ومهام الهيئة وتداخلها مع اختصاصات الجهات القضائية والمحاكم، ولذلك تم رفضها.
أتفهم في الحقيقة توصية مجلس الشورى بخصوص كشف الحسابات البنكية وذلك عملا بمبدأ من أين لك هذا؟، فالمخصصات المالية الوظيفية لا تؤدي إلى الإثراء السريع، فلا شك أن ذلك الثراء أتى من طرق غير مشروعة، وممارسات وظيفية منحرفة تشير إلى وجود مظهر من مظاهر الفساد الإداري لدى هذا الموظف أو ذاك.
فقد نصت المادة الـ20 من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، على أن تنظر كل دولة طرف، رهنا بدستورها والمبادئ الأساسية لنظامها القانوني، في اعتماد ما قد يلزم من تدابير تشريعية وتدابير أخرى لتجريم تعمد موظف عمومي إثراء غير مشروع، أي زيادة موجوداته زيادة كبيرة لا يستطيع تعليلها بصورة معقولة قياسا إلى دخله المشروع.
وعلى هذا الأساس، أعتقد أن مجلس الشورى ينظر إلى كشف الحسابات البنكية من هذا المنظور، ولكن الإشكالية أن هذا الأمر يتعارض مع سرية المعلومات والبيانات البنكية التي تحميها الأنظمة والقوانين، إلا في حالات معينة مثل قضية منظورة في القضاء أو وجود تحقيق فعلي مع مشتبه بهم في ظل وجود أدلة دامغة إلى ارتكابهم جرائم فساد.
أما مجرد الاشتباه أو وجود بلاغات لا تستند إلى أدلة إثبات قوية، فلا يمكن تحقيق هذا المطلب، إضافة إلى أن نزاهة ربما لا تستفيد من كشف الحسابات البنكية في ظل عدم معرفة مصادر الأموال مسبقا، فضلا عن عدم إمكان ذلك قانونيا.
فمن كان دخله السنوي من الراتب الوظيفي على سبيل المثال 120 ألف ريال، لا يخوله ذلك بناء عقار أو شراءه بمبلغ مليون ريال خلال تلك السنة، حتى لو كانت وظيفته من المناصب الإدارية العليا، إلا أن يكون غنيا يملك ذلك المال قبل التوظيف أو جاء المال عن طريق الميراث، ومثل هذه المصادر لا تستطيع نزاهة معرفتها دون وجود إقرار الذمة المالية.
لذا، كان الأجدر بمجلس الشورى التوصية بسرعة اعتماد لائحة إقرار الذمة المالية للوظيفة الحكومية، فهي الآلية المناسبة لتفعيل مبدأ من أين لك هذا، وما نصت عليه الاتفاقيات الدولية، إذ يعد إقرار الذمة المالية من أهم الأدوات الوقائية لمكافحة الفساد وأكثرها فاعلية.
فقد نصت الفقرة الـ5 من المادة الـ8 من اتفاقية الأمم المتحدة سالفة الذكر على أن تنظر كل دولة طرف في إنشاء نظم فعالة لإقرار الذمة المالية وفقا لقانونها الداخلي، بشأن الموظفين المعنيين، وتنص على عقوبات ملائمة على عدم الامتثال...
وإقرار الذمة المالية عبارة عن بيان يقدمه الموظف الحكومي في جميع المستويات الإدارية عن ذمته المالية وذمة زوجته وأبنائه القصر، يبين فيه الأموال المنقولة وغير المنقولة التي يملكها، بما في ذلك العقارات والأسهم والسندات والحصص في الشركات والحسابات في البنوك، سواء كان ذلك داخل الدولة أو خارجها، وما له وما عليه من ديون، ومصادر دخله وقيمة هذا الدخل، وهذا الإقرار لا يتعلق فقط بالأمور المالية، بل يجب الإفصاح عن المناصب والأعمال الوظيفية التي سبق أن عمل فيها الموظف سواء كانت في الشركات أو الوزارات الحكومية.
وبناء على ما سبق، تعطى نزاهة أو الجهة المسؤولة عن تطبيق إقرار الذمة المالية صلاحية التحقق من صحة الإقرارات المقدمة من الموظفين الحكوميين على اختلاف مناصبهم الوظيفية، وعليه يكون لـنزاهة الحق في الحصول على المعلومات من الجهات الحكومية الأخرى، وكذلك مؤسسة النقد لغرض التحقق.
ليس هذا وحسب، بل يتم تطبيق العقوبات على الموظفين الذين لا يلتزمون بتقديم إقرار الذمة المالية، أو الذين يقدمون معلومات مزيفة أو غير صحيحة، وتكون العقوبات مناسبة لنوع المخالفة، فعلى سبيل المثال يتم تطبيق الغرامات والعقوبات الإدارية اللوم، الإنذار، الحسم من الراتب في حال التأخر في تقديم الإقرار، وعقوبة السجن والتشهير في حال تقديم إقرارات مزيفة وكاذبة.
ربما يقول قائل إنه من الممكن أن تكون هناك فئة من الموظفين الحكوميين الذين قد يتحايلون على نزاهة، ويلجؤون إلى فتح حسابات بنكية في بعض البنوك خارج الدولة، أو يتفقون مع ممثلي بعض الشركات أو رجال الأعمال على تقديم الرشاوى والعمولات بصور يصعب اكتشافها، مثل قيامهم بشراء أراض وعقارات خارج البلاد، في حين أن أرصدتهم في البنوك المحلية تكون متواضعة، وتتناسب مع رواتبهم الوظيفية، وبالتالي ما الفائدة من إقرار الذمة المالية؟
والتساؤل السابق أجابت عنه اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد سالفة الذكر بالنص على أن تنظر كل دولة طرف أيضا في اتخاذ ما قد يلزم من تدابير للسماح لسلطاتها المختصة بتقاسم تلك المعلومات مع السلطات المختصة من الدول الأطراف الأخرى، عندما يكون ذلك ضروريا للتحقيق في العائدات المتأتية من أفعال مجرمة وفقا لهذه الاتفاقيات والمطالبة بها واستردادها، وبالتالي يمكن تدارك مثل هذه الظواهر خلال وضع الأطر القانونية والتنظيمية التي تلزم الموظفين بإقرار الذمة المالية.
لقد قامت نزاهة بإعداد مشروع لائحة إقرار الذمة المالية لموظفي الدولة عام 2011، وتم تطبيقها على موظفي نزاهة نفسها عام 2012، فمتى يتم تطبيقها على جميع موظفي الدولة من أجل حماية نزاهة الموظفين ومنعهم من استغلال مناصبهم؟. هذا السؤال لم يناقشه مجلس الشورى للأسف!