أشكر القراء والزملاء والأصدقاء الذين رحبوا بي الأسبوع الماضي.

أشكر القراء والزملاء والأصدقاء الذين رحبوا بي الأسبوع الماضي.
سأقص عليكم نسمات حب نقية، وطازجة من جيزان، كلما سمح الوقت بذلك. أروي لكم اليوم حكايتين:
حدثني صاحبي محمد عطية أن جدّه توفي قبل أسبوع عن عمر قارب مئة عام، بعد أربع سنوات من وفاة صديق له من قرية مجاورة تقاسم معه الحياة، ولم ينقطعا عن بعضهما إلا بعد تجاوزهما التسعين وعجزهما عن الحركة وكف بصر أحدهما، قال صاحبي: بعد تجهيز جدي وتكفينه حضرت زوجة صاحبه من قريتها، وهي تجاوزت الثمانين، وطلبت منا أن تلقي عليه نظرة وداع، ففعلنا. قالت وهي تودعه كنت الأخ والجار وما رأينا منك إلا الخير، صاحبك سبقك وأنت اليوم تلحقه، بلغ لنا سلامنا عليه ثم طبعت على جبينه المسجى قبلة الوداع وانصرفت بهدوء. يقول صاحبي كانت تودعه ببساطة كما تودع مسافراً سيعود بعد حين!.
الحكاية الأخرى قبل أشهر، أحد أعمامي عاش عصاميا تزوج من سيدة كريمة من قبيلة كريمة بينها وبين قبيلتنا خلاف قديم يشتعل ثم يخبو ولا يتجاوز القضاء، إلا أن السيدة بقيت على الحياد، أنجبا أبناء وأحفادا تجاوز عدد عائلتهم الخمسين، حصل أكثرهم على الشهادات العالية ويشغلون وظائف مرموقة، بدأ المرض يتسلل إلى الأبوين، هي في مستشفى وهو في الآخر، تعود هي إلى البيت ببقايا ذاكرة غيابها أكثر من حضورها، فيجبر أبناؤه على إخراجه من المستشفى ليبقى في البيت.
قبل وفاته بليالٍ أشار إلى أبنائه أن يدنوه من سريرها، ففعلوا، ضم يدها بيده، وربما كانت أول مرة يرى أبناؤه دمعة تتلوى في عين أبيهم، رفع يدها إلى شفتيه ووضع عليها قبلة الشكر والمودة والرحمة. ثم أعاد رأسه إلى مخدته باطمئنان.
ربما أراد أن يكون درس التربية الأخير عمليا، لكن المؤكد أنه أراد أن يقول لها: شكرا، والعهد المقدس من سبعين عاما ما زال مقدسا وجديدا مثل أول يوم.
في خطواتنا نحو الغد نحتاج لهذا الإيمان وهذا الحب.