.. وأنا أقرأ في إحدى صفحتي الثقافة من هذه الصحيفة –أول من أمس– موضوعاً أعده الشاعر والكاتب المسرحي، ثم الصحفي –بمشيئة الله- صالح زمانان، وعنوانه: الفضاء المفتوح ينهي معارك الحداثة، فكرت في العنوان بطريقة الطيبين، فأحالني إلى أن الوعي، وتعدد المشارب، وقدرة الناس على التمييز بين: الديني الخالص، والسياسي الحزبي الملتبس بالدين، هي التي أنهت معارك الحداثة، بعد انكشاف هشاشة أسباب التشنيع عليها وعلى أهلها.
فكرت قليلا بطريقة أخرى، فتبت عن طيبتي وسذاجتي، وبالتالي تبت عما أحالني إليه العنوان؛ لأن هذه الأسباب الجديدة، أنهت المعارك ضد تيار الحداثة بوصفه مصطلحا جمع أعداؤه تحته المثقفين الذين رفضوا الانضواء تحت لواء ما، لكنها لم تنه التشنيع على كل من يختلف مع أعداء حداثة الأمس الذين استمروا طرفاً ثابتاً، وواصلوا ابتكار الأعداء، وتعديد أصنافهم، وتشويههم بالدين البريء من الظلم والبهتان، ليرددوا منتشين كلما زاد عدد الأتباع والمؤيدين:
يا لكِ مِنْ قُبّرَة ٍ بمعمرِ..
خلا لكِ الجوّ فبيضي واصفِري..
قد رُفِعَ الفَخُّ، فماذا تَحْذَري؟..
ونقّري ما شِئتِ أن تُنقّري..
في وجود الفضاء المفتوح، لم تنته طرائق التشنيع، ولم تختلف أساليب التشويه، ولا لغة التأليب، ولا مؤامرات الإيذاء في الأرزاق والوظائف والشهادات العلمية والسمعات، ولم يختلف منهج المشنِّعين في استغلال كل مفتوح ومتاح، كعادتهم في استغلال كل ثغرة مفتوحة إلى العقول، ومنها الفضاء المفتوح إياه، لكنهم غيروا المصطلحات وعددوها فقط.
 الدليل على استمرار المعارك في نسخةٍ مطوّرة ومنقحة، هو أن حداثيي الأمس، هم ليبراليو وعلمانيو وتغريبيو اليوم، وإذا كان سعيد السريحي – مثلا - يُصنف حداثيا في الثمانينات، فإنه يصنف علمانيا وليبراليا وتغريبيا الآن؛ مما يعني أن الهدف ليس ما يصدر عن الحداثي السريحي وحسب، بوصفه خطرا على تفرعات فكرة الحاكمية، وتفصيلات فكرة جاهلية هذا القرن، وأفكار أخرى خلطوها بالدين خلطا وليست منه، وإنما الهدف كل الذين لا ذنب لهم سوى أنهم رفضوا السير في ركب السائرين تحت لواءٍ سياسيٍّ حزبيٍّ معين، حتى باتت أفكارهم تشكل خطرا على الأفكارٍ التدجينية التي تجتمع لتشكّل فكراً يسهّل تشكيلَ القطعان، ويجعل غيرَ أربابه وأتباعه وخدامه بغير علم – في أعين أفراد قطعانه - فسقةً ومارقين وتغريبيين، وربما خونة لا سمح الله.
نعم، انتهت مرحلة الصراع بين: الحداثة، والأصالة، لكنها استمرت بين: التجديد المقرون بالاستقلال الفردي، والتقليد المقرون بالتبعية، أو ببساطة؛ بين: عدم الانضواء تحت لواء فكرٍ حزبيٍّ ما، والانضواء تحته؛ ولذا فإن غير المطيعين من الأدباء والكتاب والباحثين والمفكرين، ما زالوا الجدار القصير الذي تقفز فوقه هذه الآيديولوجيا، وما زالت الإساءات الصبيانية المجانية إليهم تعد احتسابا، وما زالوا يُصنّفون، وهم آخر من يعلم أنّهم ينتمون إلى هذا التيار أو ذاك.
وخلاصة القول: إن لوازم سحب البساط الشعبي من تحت أقدام المثقفين المستقلين، لضمان عدم تأثيرهم في العقول، قد حتّمت على مصنفيهم تبشيعهم بكل الوسائل التي لم أستطع أن أجد فيها وسيلة أخلاقية واحدة، أو أجد لها مبررا مقنعا واحدا، سوى ما أوردتُه عندما تخليتُ عن طريقة الطيبين في التفكير.
وعليه، فإن الفضاء المفتوح لم ينه معارك الحداثة، وإنما طوّرها.