من خلال محاضرة وزير العدل لمستُ النقد المشوب بشيء من العتب اللطيف على (السلطة الرابعة)، ولكني متيقن من أن الصحافة ومؤسسات الدولة والمجتمع عناصر متكاملة، كل عنصر بحاجة لما عند الآخر بشكل مستمر لتتحقق المصلحة العامة، ومرآة الصحافة غالباً ما تزيد حجم الصورة لكنها نادراً ما تغيّر من حقيقتها

العنوان أعلاه مقتبس من عنوان المحاضرة التي ألقاها، قبل يومين، معالي وزير العدل الدكتور محمد العيسى في الجامعة الإسلامية، برعاية وحضور صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن ماجد أمير منطقة المدينة المنورة، واستُهلت الأمسية بكلمة لصاحب الجهود المميزة معالي مدير الجامعة الإسلامية الأستاذ الدكتور محمد العقلا، بدأ بعدها الوزير محاضرته بالحديث عن أسس القضاء في المملكة العربية السعودية، وهما القرآن والسنة، اللذان استُمد منهما دستور البلاد المكتوب وهو النظام الأساسي للحكم.
وأشار إلى عدة نقاط مهمة في مسألة التطوير، منها أن التطوير الإيجابي هو المراد تحقيقه في القضاء، وهو إعادةُ صياغةٍ وتنظيم لأسس ثابتة سلفاً. وألمح الوزير إلى ما يمكنني اعتباره نسقاً اجتماعياً/ثقافياً يتم تداوله باستمرار، وهو الأحكام الاجتماعية المسبقة عند الشروع في التغيير، حيث أشار إلى تحفظ البعض وخوفهم من التطوير، وضرب مثلاً لذلك بتحفظ البعض-قبل عقود- على خطوات محددة لتطوير القضاء؛ ظناً منهم ذلك غزو وافد، لكن مع مرور الوقت تبين لهم عدم صحة رؤاهم!
ورغم إعجابي بمقولة الدكتور العيسى: بأننا لا نريد للقضاء في بلادنا أن يتحول إلى متحف قضائي، إلا أني لم أتفق معه بتحفظه على إطلاق كلمة إصلاح على مشروع تطوير القضاء؛ فالإصلاح مطلب عام يجب ألاّ نخشاه لأنه لا يستدعي بالضرورة فساد الشيء كله، بل يمكن إطلاق هذه الكلمة على ما لا يواكب احتياجات الإنسان، وتكون هناك ضرورة للتطوير الذي يكون بحد ذاته إصلاحاً، فهذه الكلمة هي شعار عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز الذي أعلنه هدفاً شاملاً، بالإضافة إلى أنّ تطوير القضاء أُطلق عليه مسمى (مشروع خادم الحرمين الشريفين)، وهذا يمنحنا أملاً بأن تطوير القضاء سوف يكون ضمن مشروع الإصلاح الكبير في الوطن ككل، وخاصة أن مجتمعنا بدأ يعي ضرورة الإصلاح ولم يعد راغباً في الركود والسكون، فالمجتمع السعودي كغيره من المجتمعات يتغير إيجاباً أو سلباً وفقاً لتأثيرات الثقافة والسياسة التي تزخر بالمتغيرات في العالم من حولنا، ولا سيما أنّ قنوات التعبير والإفصاح عن مكنونات المجتمع السلبية والإيجابية بدأت تظهر من خلال وسائل الاتصال الإلكترونية، فالتقنية صنعت عالماً من التواصل الجديد، تفاعل معه معالي الوزير نفسه بشكل إيجابي من خلال إنشائه صفحة شخصية في موقع facebook، وكان قد أشار في محاضرته إلى أن وزارة العدل بصدد اعتماد المحكمة الإلكترونية كخطوة من الإجراءات التطويرية، وأتمنى أن يتم ذلك فعلاً وتعمم التجربة لندخل فعلياً فضاء الحكومة الإلكترونية بشكل شامل وعريض.
ومن خلال محاضرة وزير العدل لمستُ النقد المشوب بشيء من العتب اللطيف على (السلطة الرابعة)، ولكني متيقن من أن الصحافة ومؤسسات الدولة والمجتمع عناصر متكاملة، كل عنصر بحاجة لما عند الآخر بشكل مستمر لتتحقق المصلحة العامة، ومرآة الصحافة غالباً ما تزيد حجم الصورة لكنها نادراً ما تغيّر من حقيقتها، والقضاء لدينا يعاني من مشكلات قد يساعد الإعلام على إبرازها تمهيداً لبحث حلها، ولتحقيق الإصلاح من المهم تتبع مكامن الخلل بدايةً، ومن طبيعة الإعلام أنه يتناول مواطن الخلل الذي أصبح محط الأنظار المواطنين الذين من حقهم أن يطمحوا لمستقبل أفضل، تبنى خلاله الكثير من جسور التواصل والثقة والأمل بين المواطن والمسؤول.
وما زلت أتذكر أول حديث سمعته للدكتور محمد العيسى، شعرت خلاله بعزيمته على التطوير بما يحقق (الإصلاح) الذي يبتغيه خادم الحرمين الشريفين، ولذلك أتمنى أن نلتقي معاليه في المستقبل القريب ليحدثنا عما تم إنجازه من خطوات تطويرية نعتبرها الآن في طور المستقبل.. ونتوق إلى رؤية نتائجها في أقرب وقت ممكن.