لم تفاجأ أميركا بإعلان التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب الذي تقوده المملكة العربية السعودية، انطلاقاً من الرياض، وكشف عنه ولي ولي العهد النائب الثاني لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع الأمير محمد بن سلمان، في مؤتمر صحفي مقتضب قبل أيام، لكنها أيضاً لم تعلم عنه مسبقاً، بحسب تأكيدات المتحدث باسم الخارجية الأميركية جون كيربي الذي نفى بحسب تقارير صحفية نشرت أمس، أن تكون المملكة قد أخطرت واشنطن مسبقاً بتأسيس هذا الحلف، وقال حول إعلانه بأنه لم يكن مفاجئاً.
هذه المعلومة التي قد تكون من البديهيات، قطعت الطريق على الباحثين الدائمين عن الثغرات للنفاذ من خلالها لمواصلة انتقادهم للسعودية، كما يفعلون دائماً، وكان آخرها ما فعلوه عقب انطلاقة عملية عاصفة الحزم في اليمن، وكما سيفعلون مع أي حراك قادم لا تستوعبه حالة الهوان التي تسيطر عليهم، فهم يبنون بطولاتهم ومواقفهم على استمرار حالة الضعف العربي، فيرفعون أصواتهم بالانتقاد من دون أن تكون لهم أفعال.
الباحثون عن الانتقاد في مبادرة التحالف العسكري الإسلامي؛ فوجئوا بحجم هذه المبادرة التي تجمع 34 دولة، ونقلت الدول الإسلامية من حالة انتظار رد الفعل إلى صناعة الفعل، ونقلت الدول الإسلامية من موقع الاتهام إثر كل حادث إرهابي يضرب العالم إلى حالة المساهمة بشكل فاعل وجريء في محاربة الإرهاب للمرة الأولى، وفق رؤية إسلامية استراتيجية، كانت ولا تزال تحتاجها الجهود العالمية لمكافحة الإرهاب؛ وقد ألجمت ألسنة الكثيرين من الناقمين والناقدين الدائمين لسياسات وتوجهات السعودية في كل المحافل، بعد أن فوجئوا بالدور الكبير والمحوري الذي تلعبه المملكة على مستوى العالم، وهي تجمع 34 دولة في وقت قياسي حول مشروع خلاق لمحاربة الإرهاب، وقلبت الطاولة على من رسخوا الصورة النمطية للمسلم على أنه إرهابي، وأن دين الإسلام يدعو إلى الإرهاب، واستغلوا أحداثا شاذة لوصم مليار مسلم بجريرة عدد بسيط لا يشكل نسبة تذكر من عدد المسلمين.
التحالف الجديد وضع المسلمين في الخندق الأول لمحاربة الإرهاب، بل في مقدمة العالم في مواجهته، إذ إنها المرة الأولى في التاريخ تجمع تحالف 34 دولة إسلامية لمحاربة قضية محددة، بل إنها المرة الأولى التي يتضامن فيها هذا العدد من الدول الإسلامية على مر الزمان، مما يعكس ويؤكد أنه أكبر تضامن إسلامي عسكري وأمني لحسم الإرهاب وإضعاف شوكته، بل إزالة خطره عن العالم أجمع.
السعودية قدمت عددا من المبادرات في مجال مكافحة الإرهاب، بدءًا بالمركز العالمي لمكافحة الإرهاب في الأمم المتحدة، ومركز حوار أتباع الأديان، كما أنها في مقدمة الدول التي تمكنت من محاصرة الإرهاب ورصد حركة الإرهابيين، وإفشال مخططاتهم في مهدها، وظلت تجربة المناصحة السعودية أنموذجاً فريداً في إعادة تأهيل الإرهابين واندماجهم في المجتمع، ونقلت التجربة إلى العديد من الدول التي تعاني من الإرهاب، لكن كل ذلك لم يلجم ألسنة الناقمين والناقدين طوال الفترة الماضية، إذ ظلوا يوجهون أصابع النقد والاتهام إلى المملكة بشكل مستمر، محاولين التقليل من دورها ومبادراتها في مكافحة الإرهاب، لذلك كان مفاجئاً لهم أن تنجح السعودية في مبادرة بهذا الحجم، تعزز اللحمة الإسلامية وتفضح القوى الانتهازية، وتؤكد حجم ومكانة المملكة العربية السعودية في المحيطين الإسلامي والعالمي، وقدرتها على صنع الأحداث وقيادة الأمة الإسلامية.