أقر مجلس الوزراء أخيرا نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية، الذي تم تداولة لأكثر من 10 سنوات بين المجتمع-من خلال الإعلام- ومجلسي الشورى والوزراء. ومن الجدير ذكره أن هذا النظام بدأ بمقترح قدمه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز قبل 17 عاما، بحسب ما تناوله الباحثون، وتم إقرار هذا المشروع في عهده حفظه الله.
ونحن متفائلون بوجود هذا النظام، بل إن ما نتمناه اليوم أن يكون هذا النظام (نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية) خطوة أولى حقيقية لتدريب المجتمع على الشراكة الوطنية في اتجاه المجتمع المدني، بما يسهم في رقي وتقدم ومدنية الدولة والمجتمع على السواء، ولا سيما في هذه المرحلة الصعبة من التاريخ المعاصر التي يتضح فيها جليا أنه لا بقاء إلا للمجتمعات الأفضل تنمويا والأكثر وعيا وتماسكا، وهذا لا يتحقق دون وجود روابط ومؤسسات وجمعيات ينتمي الأفراد إليها طوعا على أسس مدنية.
إذ إن هذه الروابط هي على العكس من الروابط والانتماءات التقليدية/الطبيعية (القبيلة، العشيرة، الطائفة، الأسرة، المنطقة، الإقليم) التي يولد الإنسان منتميا إليها دون إرادة منه، ورغم أن مصطلح المجتمع الأهلي الذي تضمنه النظام الجديد يعتبر أكثر شمولية من العمل الخيري المحدد في أنظمة سابقة، غير أنه لا يرقى بطبيعة الحال إلى المستوى المدني الذي يعبّر عن تلك المساحة الواسعة التي يتحرك فيها الأفراد ما بين سلطة الأسرة وسلطة الدولة، ورغم هذه المساحة الواسعة لتنمية المجتمع والشراكة في إدارته إلا أن مؤسسات المجتمع المدني بطبيعة تكوينها ليست مضادة للانتماءات التقليدية ولا تشكل تهديدا لها، حيث إنها تعتبر كيانا مدنيا موازيا تتيح للأفراد المختلفين في انتماءاتهم التقليدية أن يشكّلوا روابطهم الخاصة بهم وفق إطار مدني محدد، ضمن اهتماماتهم ومصالحهم بما يحقق النفع العام، وتتسع دائرته إلى جوانب متعددة منها الثقافية والاقتصادية والسياسية، على الرغم من أن بعض علماء الاجتماع يرون عدم انتماء العمل السياسي إلى مؤسسات المجتمع المدني باعتباره نشاطا مستقلا ولا يعود بالنفع العام المباشر على مختلف فئات المجتمع.
وبالعودة إلى نظام الجمعيات والمؤسسات الأهلية، نجد أنه مختلف بشكل جذري عما أقره مجلس الشورى عام 2008، بعد مداولات مع الرأي العام استمرت عدة سنوات أيضا، لكن النظام بحلته الجديدة المعتمدة قد صدر مبتسرا، حيث أوكل الإشراف على إصدار التراخيص إلى وزارة الشؤون الاجتماعية إضافة إلى سلطتها في الرقابة الإدارية والمالية عليها، بينما النظام الذي أقره الشورى يؤكد على وجود هيئة تنظم عمل هذه المؤسسات، ويقرّ إنشاء اتحادات وجمعيات أهلية لحقوق الإنسان، وما يتعلق بالشأن العام، غير أن النظام الجديد ظهر متحفظا في عدة اتجاهات، وهذا ما يشير إلى الخشية من أن البيروقراطية ستفعل فعلها فيه، فموافقة وزارة الشؤون الاجتماعية (الجهة المشرفة) خلال 60 يوما ليست الخطوة النهائية لإصدار الترخيص، إنما هنالك جهات حكومية أخرى يجب أن توافق، وهذا ما قد يُدخل مؤسسات العمل الأهلي في دوامة البيروقراطية، إضافة إلى احتمال عدم الموافقة وفقا لإحدى ذريعتي الإخلال بالوحدة الوطنية، أو مخالفة النظام والآداب العامة، وهذا يستلزم تحديدا للمصطلحات، حيث إن النظام فيه كثير من الثغرات النظامية والقانونية، وقد لا يرتقي إلى الإسهام بانتقال المجتمع إلى مرحلة مدنية فاعلة إذا ما ابتلعته عاصفة البيروقراطية، وخاصة أن النظام الجديد يلمح إلى ضرورة خلو المؤسسات والجمعيات من العمل السياسي من خلال بعدها عن التحزبات والتكتلات.
الآن صدر النظام، والأنظمة تنمو وتتطور كأي كائن في هذه الحياة، بل إن بعضها يصل إلى مرحلة الموت حين يصل إلى مرحلة التشبع وعدم مواءمة تطور المجتمعات وتقدمها فلا تتحقق الجدوى منه؛ ولذلك فإنه يمكن للمجتمع السعودي اعتبار هذا النظام عتبة أولى -ومؤقتة- نحو أنظمة قادمة متطورة تسهم في تحول المجتمع السعودي إلى مجتمع مدني فاعل ومنتج اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا، وهنا يجب على وزارة الشؤون الاجتماعية تحري الدقة في رصد وتدوين لوائح النظام وتفسيرها بعيدا عما يعوق المجتمع نحو الحركة والتطور والتفاعل.