استكمال لم الشمل العربي والإسلامي هو العلاج الوحيد لكل أوجاعنا، وأعتقد أن المملكة تعمل بجدية على التكامل السعودي المصري، عسكريا واقتصاديا، وهذا بيت القصيد في إعادة التوازن الاستراتيجي
دخلت إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما عامها الأخير. وقبل ذهابه إلى عطلة الأعياد حرص على زيارة كل من البنتاجون ومؤسسة مكافحة الإرهاب. وتحدث طويلا عن المخاطر والتحديات التي تهدد العالم وأميركا. وكان واضحاً أنه يخشى من حدث أمني ما داخل الولايات المتحدة، وليس بالضرورة أن يكون من تخطيط داعش أو غيره، فقد اعتبر الرئيس الأميركي أن الإرهاب ثقافة جديدة تهدد الدول من داخلها، وأنه باستطاعة شخص واحد أن يروع دولة بحجم أميركا.
إنه كلام جديد للرئيس الأميركي الذي كان يعتبر بلاده آمنة بسبب استراتيجيته الانكفائية وخصوصا في الشرق الأوسط. وطبعا بعد عودة الرئيس أوباما من إجازته يبدأ العد العكسي لمغادرته البيت الأبيض، وهو يطمح أن يسلم الإدارة إلى رئيس من الحزب الديمقراطي الذي ينتمي إليه. وخلال الأسابيع القادمة سيتحدد اسم المرشح الديمقراطي ومرشح الحزب الجمهوري الذي يتقدم صفوفه المرشح ترامب الذي يخوض معركته الرئاسية ضد الإسلام والمسلمين.
اختتم أوباما سنته ما قبل الأخيرة باجتماعات نيوريوك حول سورية، والتي تزامنت مع رئاسة أميركا لمجلس الأمن، والذي أصدر قرارا رقم 2254 بالإجماع واعتبر البعض أنه يشكل إطارا للحل السياسي في سورية، رغم أن العديد من الدول التي وافقت على القرار اعتبرت النزاع في سورية يحتاج إلى قوة أكثر فاعلية لتحديد إطار حقيقي للحل السوري. وكذلك هو الحال في اليمن، إذ لا تزال إيران تعتبرها ورقة ضغط وابتزاز من أجل شرعنة وجودها المسلح الميليشياوي في اليمن وسورية والعراق ولبنان.
لا شك أن أميركا تعرف جيدا أنها بالتخلي عن دورها في المنطقة أحدثت تغييرا جذريا بتوازنات المنطقة وقواعد الاشتباك فيها، وفي مقدمتها إصرار الدول العربية على الحزم بالدفاع عن دولها واستقرارها. وكان التحالف العربي وعملية الحزم في اليمن باكورة هذه المتغيرات، بالإضافة إلى توحيد المعارضة السورية في الرياض بعد فشل اتفاقها طوال 4 سنوات، وكذلك السعي الحثيث إلى تشكيل تحالف إسلامي عربي يكون الرافعة للمجتمعات التي تتعرض للانتهاك من داخلها ومحيطها، كما هو الحال في سورية والعراق.
اللافت أن وجود روسيا في المنطقة مباشرة وبشكل غير مسبوق حتى أيام الاتحاد السوفيتي السابق، جاء بتغطية ودعم أميركي، وهو تدرج في النزاع السوري على مراحل طويلة بالتفاهم التام بين كيري ولافروف، حتى أصبحنا نحار من هو وزير خارجية أميركا ومن هو وزير خارجية روسيا. وهذه الثنائية كانت قادرة على تعطيل كل محاولات الحد من النزاع في سورية. أعتقد أن السنة الأخيرة للرئيس أوباما ستحدث تغييرا كبيرا في استراتيجية الولايات المتحدة الانكفائية على مدى 7 سنوات، وأن التحضيرات التي تتجمع في المنطقة ستؤدي إلى حرب كبرى لا محالة، وستعود فيها أميركا إلى النزول البري في أكثر من مكان. وسيكون لهذا التدبير ضرورات انتخابية للحزب الديمقراطي، لأنه في حال وقوع تطورات عسكرية كبرى في المنطقة تضر بمصالح أميركا فإن ذلك سيكون له مردود سلبي على المرشح الديمقراطي، وسيتحمل أوباما مسؤولية خسارة حزبه الانتخابات الرئاسية.
تحاول الولايات المتحدة إعادة الاعتبار للحلول السياسية في كل من سورية والعراق واليمن، عبر الأمم المتحدة ومجلس الأمن، والتي كانت نتيجتها توقيع اتفاق الصخيرات في المغرب بين الليبيين واجتماعات روما التي تحدثت عن ضرورة عمل عسكري بري في ليبيا، وكذلك التقرير الذي قدمه مندوب الأمم المتحدة في اليمن ولد الشيخ أحمد، والذي حاول خلق أوهام حول نجاح المفاوضات وعملية بناء الثقة.
وكذلك الأمر في سورية بالحديث عن الدعوة لوقف إطلاق النار بعد شهر دون تحديد آلية تنفيذه والقوة المعنية بالرقابة. وتحاول الولايات المتحدة من خلالها إعطاء الفرص الضمنية لهذا الفريق أو ذاك.
يبقى استكمال لم الشمل العربي والإسلامي هو العلاج الوحيد لكل أوجاعنا ومشكلاتنا، أي العمل المكثف الذي تقوم به المملكة العربية السعودية لملء الخواء الاستراتيجي الذي أصاب العمل العربي المشترك منذ سنوات طويلة، وكان باكورته التحالف العربي وعملية الحزم. والآن يأتي الحديث عن التحالف الإسلامي الذي قد ينهي النزاعات بين بعض الدول التي تؤثر على التماسك الاستراتيجي في المنطقة، ومنها العلاقات العربية مع بعض دول الجوار. وهذا ما يساعد على تحقيقه التقارب والتنسيق السعودي المصري على أسس صلبة وواضحة.
وأعتقد أن السعودية تعمل بجدية على التكامل السعودي المصري، عسكريا واقتصاديا، وهذا بيت القصيد في إعادة التوازن الاستراتيجي.