في أثناء انتظار قصير بإحدى الإدارات الحكومية، بادرني شاب خلوق بالسلام، ثم فاجأني بسؤال لم أتوقعه، وهو: إلى من ستهدي ديوانك القادم؟
قلت في نفسي: وهل هناك من يقرأ شعري أصلا؟ ثم لم أستطع أن أجيبه؛ لأنني وجدتني أمام سؤال سطحي جاء باستخدام: مَن، اسما موصولا للعاقل، وأنا أميل إلى أن يكون الإهداء مفتوحا على عوالم تتجاوز البشر، بوصفه نتاج حالة شعرية قد لا يتنبأ بها حتى صاحبها، وهو - بهذه الصفة - يتسق مع كونه لافتة أو عتبة ديوانٍ شعريٍّ ذي لغة يغلب عليها الخيال.
في المقابل، لا يكون هذا السؤال ساذجا عند توجيهه إلى شاعر يرى أن لوازم الوفاء، أو الوجاهة، تحتم عليهم التصريح باسم من يهدي إليه ديوانه، وذكْر منصبه وصفته، وربما وضْع صورته، تخليدا، أو عرفانا، أو مجاملة، أو نفاقا.
الاختلاف – هنا – آت من تباين في فهم ماهية الشعر، وفي فلسفته وغايته؛ إذ يرى فريق أن رمزية الإهداء، وتعدد احتمالاته التأويلية، تمنحانه قيمته الفنية، فيما يرى فريق آخر أن تعيين المُهدى إليه هو الطريقة العملية المثالية، وهذا الفريق غائي؛ يهدف من الشعر إلى شيء غيره، أما الفريق الأول، فهو فني؛ يهدف من الشعر إليه.
سؤال هذا الشاب وجيه وساذج في آن واحد؛ ذلك أن سذاجته في حال توجيهه إلى شاعر من الفريق الأول، لا تنفي وجاهته في حال توجيهه إلى شاعر من الفريق الثاني.
قادني السؤال إلى التفكير في إهداءات الدواوين تفكيرا مجردا من البحث، إذ لم أفعل سوى أن تناولت بضعة عشر ديوانا من رفٍّ خلف مكان جلوسي، لأجد أنه لا يوجد فيها ديوان يخلو من الإهداء.
بالتأمل في إهداءات هذه الدواوين، وجدت أكثرها توجيها للقارئ نحو الرسالة التي يريد الشاعر إيصالها، وبعضها يتضمن إشارة إلى المضامين من حيث كونها فكرا أو توجها، أو يحتوي على إلماحة إلى مفهوم الشعر عند صاحب الديوان.
وعند التصنيف؛ وجدت نوعين: إهداءاتٍ رمزية مفتوحة، وإهداءات مباشرة موجهة، وأزعم أن الإهداءات الرامزة هي الألصق بالإبداع؛ لأنها باعثة على التأمل، وأعني بها تلك الإهداءات التي تتجه نحو المعاني، والمجردات، دون أن توحي لغتها بأشخاص معلومين، أو فئات محددة، أو أماكن معروفة، فتتعدد احتمالاتها، ويتحول الإهداء إلى قطعة أدبية مفتوحة على أكثر من معنى.
أما الإهداءات الموجهة، وهي التي يستطيع القارئ أن يحدد من خلالها المُهدى إليه، سواء أكان شخصا، أم مكانا، فقد كانت إلى المباشرة أقرب، لأنها تتجه إلى شيءٍ معلوم يصل القارئ إليه دون أي جهد تأملي.
للطريقتين دلالات على المذهب الفني الذي ينتمي الشاعر إليه؛ فالمجددون يميلون إلى الطريقة الأولى، في حين يفضل المقلدون الطريقة الثانية، وذلك كله يؤكد على أن الإهداءات باتت عتبة نصية لا تقل في أهميتها عن العنوانات؛ لأنها تهب القارئ إضاءة على طريقة الشاعر، فتتحول إلى جزء من الأدلة على الاتجاه الفني، وطريقة التفاعل مع اللغة.
بعد كتابة هذا المقال، شكرت – في نفسي – لذلك الشاب سؤاله الوجيه الساذج.