حين يعدو السائق في الطريق السريع ما أجمله! وحين يحدث حادث فينسد ما أطوله وأبطأه!.
حين يعدو السائق في الطريق السريع ما أجمله! وحين يحدث حادث فينسد ما أطوله وأبطأه!.
الطريق السريع للسيارات هي أنابيب الشرايين في الجسم! والانسطام في الحوادث وتوقف السير هما انسدادات الشرايين المرعبة المنذرة بالموت في القلب وبتر الطرف.
وحين يتعسر المرور في الطريق السريع أمامي أتذكر انسدادات الشرايين الحادة في العمليات بالجلطات (Thrombus)، ثم أفكر من جديد من الذي اخترع هذه القسطرة المدهشة لانتزاع الجلطات من الشرايين؟.
كان أول تعرفي على هذه القسطرة بعد تخرجي من كلية الطب والاختصاص في ألمانيا في عام 1971 ـ 1975م ولم يدر في خلدي أن توماس فوجارتي كان قد توصل لاختراعه الرائع المريح والمنقذ إلا قبل عامين من تخرجي فقد توصل إليه عام 1969م. ولا أعرف كيف كان يفعل الجراحون قبل ذلك إذا انسدت الأوعية على نحو حاد. (الفتح المباشر على المكان المتوقع ومشاكله).
إن هذا يتطلب مراجعة تاريخية لتصرفات الأطباء قبل هذه المرحلة، ثم ما الذي حرض في مخيلة هذا الشاب هذا النوع من الاختراع ثم تسويقه؟. كثيرة هي الحالات التي واجهتنا وكان علينا أخذ المريض على وجه السرعة إلى قاعة العمليات لفتح الشريان وانتزاع الجلطة أما الجلطة فأسبابها كثيرة. أبدع فيرشوف في وصفها، ولكن العجيب في سيلان الدم في الأوعية أنه بسبب وآخر يتحول من دم سائل سائغ أحمر في العروق إلى حبل أسود مثل الثعبان يحشى كامل الوعاء وينقطع الدم عن الطرف أو الدماغ أو القلب. وكل يصرخ بطريقته؛ فإما الدماغ فيهوي صاحبه أرضا، وأما احتشاء القلب فيصرخ صاحبه ألما كأنه ضرب السكاكين، وأما ألم الأطراف فحدث ولا حرج. إنه تموت متدرج يتلون فيه الجلد إلى الأزرق ويبرد الطرف ويبدأ في الشلل، والسباق مع إصلاح الوضع هو مسألة ساعات قليلة لا تزيد عن ست. أما قسطرة توماس فوجارتي (Fogarty) فهي بطول متر بأنبوب داخل أنبوب، ينفتح الداخلي في نهايته ببالون صغير؛ فإذا نفخ ذنبه بالهواء أو الماء انتفخت البالونة في نهايته، ولنتصور الآن أن القسطرة داخل الوعاء المسطوم وفي نهايتها ينتفخ فجأة بالون وبسحب القسطرة للأعلى تأخذ معها الجلطة وبذا يكون الخلاص للمريض والطرف عملا بطوليا رائعا وهو في النهاية تحرير الطريق وعودة الدماء إلى مجاريها الطبيعية.
فوجارتي ولد عام 1934م ونشأ يتيما مات والده بحادث عمل وهو يشتغل موظفا بسكة الحديد فربته والدته، نشأ عبقريا ولم يكتف بمثل هذا الاختراع، بل استقرأ الطبيعة وتملك مزرعة ينتج فيها العنب الأحمر ليهتدي إلى سر عجيب في قشرة العنب ويحوي من المواد ما يخفض كولسترول الدم ويحافظ على الشباب.
لقد اخترع الرجل أكثر من 63 اختراعا طبيا جراحيا على مدار 40 عاما من حياة الإنتاج المباركة، ودرَّس في جامعة أوكسفورد طلبة الجراحة عقودا، وأحيا آمالا، وخفف آلام الكثير، ونجا من الموت على يده العشرات، ونشر أكثر من 170 مقالة من الأبحاث الطبية، وفاز بجائزة مخترع العام في 1980 من جمعية فرانسيسكو للاختراع والتجارة، ثم نال جائزة ليميسلون MIT وهي أكبر دفعة مالية في العالم (كاش) تعطى للمبدعين المخترعين. أما عندنا فالكسل ضارب والبيئة قاتلة لا ينبت فيها زرع أو ضرع، ولكن الأمل بالله كبير أن تتغير الأحوال وتتبدل الأمور. وإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.