لأن أحداث سبتمبر ما زالت عالقة في الذهن، وتكررت ردود أفعال مختلفة بشأنها في المجتمع الأمريكي، فقد قال الأمير تركي إن المملكة ما زالت هي المستهدف الأول من قبل القاعدة أكثر من أمريكا والدول الغربية

سأحدثكم عما قاله الأمير تركي الفيصل في محاضرته يوم الخميس 28 /10 /2010م في اجتماع مجلس العلاقات الخارجية في مدينة تامبا بولاية فلوريدا الأمريكية عن المملكة وأدوارها ومكانتها.. ولكن قبل ذلك دعوني أعرض قيمة مثل هذه المحاضرة والأهمية التي تنطوي عليها. إن هذه المحاضرة تأتي امتدادا لدور الأمير تركي عندما قام في فترة السنة والنصف التي قضاها سفيراً للمملكة في الولايات المتحدة الأمريكية، بزيارة خمس وعشرين ولاية متحدثاً في جامعاتها ومراكزها البحثية Think Tanks ومؤسساتها لتوضيح أو قل لتصحيح الصورة المغلوطة في ذهن المواطن الأمريكي فرداً عادياً أو طالباً أو مسؤولاً عن المملكة.. مما حدا بأحد الكتاب الأمريكيين أن يصف الأمير تركي بأنه شخصية قيادية في الدبلوماسية العالمية والتعليم والتبادل الثقافي.. والذي يعرف الأمير عن قرب بما يملكه من مهارات التحدث والبيان وامتلاك ناصية اللغة التي يتحدث بها والإلمام بالمواضيع التي يتحدث عنها واللباقة والصراحة يشهد له بذلك.. وقد كان لي شرف مشاركة الأمير في بعض اللجان الرسمية داخلياً وخارجياً وإني لأشهد له بذلك شهادة هو لايحتاجها وأنا لا أنتفع بها.
لقد دأبت بعض المؤسسات ومراكز البحث في أمريكا على تشويه صورة المملكة والإصرار على ذلك، ومن هنا تأتي أهمية الاستمرار في إلقاء محاضرات وعقد اجتماعات وتشكيل لجان تقوم بصد مثل هذه الهجمات بوعي ولباقة ومعلومات موثقة ولغة بليغة كما يفعله الأمير تركي. ودعوني أضرب لكم مثالاً على ذلك، قام مركز بيت الحرية في عام 2006م بتحليل مناهج المملكة بطريقة مشوهة أخرجت بها العبارات عن سياقها لتعطي معاني مختلفة. وقامت رئيسة المركز بنشر الدراسة في صحيفة الواشنطن بوست، وألقيت بعض العبارات المستلة من الدراسة في الكونجرس وعقد اجتماع لرئيسة مركز هدسن لحرية الأديان مع الرئيس الأمريكي آنذاك ليعرضوا عليه ما تقوله مناهج المملكة عن الغرب، وقالوا إنهم حصلوا على المناهج بصعوبة. عرفت فيما بعد أن الأمير بحكم عمله سفيرا آنذاك زار المركز وأوضح كثيراً من الملابسات التي أوردتها الدراسة وأنه مستعد شخصياً لتوفير المناهج لمن يريدها. وتم بعد ذلك تطوير المناهج ووضعت جميعها على موقع الوزارة إلا أن المركز عاد وأخرج في ديسمبر من عام 2008م ما أسماه تحديث Update للتقرير الذي نشره عام 2006م وقال إن المملكة حركت الأثاث ولم تنظف المنزل. ولهذا فإن استمرار الحملات على المملكة يتطلب استمرار التوضيح والدفاع والهجوم إذا تطلب الأمر.
ومن هذا المنطلق تأتي أهمية محاضرة الأمير النبيل تركي الفيصل لتوضيح الحقيقة والرد على بعض ما يقال وينشر وتصحيح الصور المغلوطة لدى المجتمع الأمريكي عن المملكة. وفي المحاضرة تحدث الأمير تركي عن الإرهاب بحكم أنه ما زال يشكل هماً كبيراً في ذهنية الفرد الأمريكي وأوضح أن المملكة لا يقتصر دورها في محاربة الإرهاب على مواجهته مباشرةً، لكنها تبنت وسائل عديدة لاجتثاثه واستئصاله من جذوره، وذلك بتبني ثقافة محددة لا تسمح بنموه أصلاً في المجتمع مشيراً إلى عدم الاكتفاء بالعلاج، بل باتخاذ إجراءات وقائية تمنع براعمه من النمو. وشرح الأمير تركي الحملة التي أطلقتها المملكة للقضاء على هذا الداء والتوعية بأخطاره. وركز على تاريخ وعمق العلاقات بين المملكة وأمريكا وبصراحته المعهودة أوضح الخلاف المستمر بين البلدين حول قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وبعض قضايا المنطقة.. ولأن أحداث الحادي عشر من سبتمبر ما زالت عالقة في الذهن، وتكررت ردود أفعال مختلفة بشأنها في المجتمع الأمريكي، فقد وضعها الأمير تركي الموضوع الثالث الذي تطرق له في محاضرته بالقول إن المملكة ما زالت هي المستهدف الأول من قبل القاعدة أكثر من الولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية وأنها عانت من الإرهاب.. ثم انتقل إلى دور المملكة الأساسي في تكريس السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط بمحاولاتها مساعدة الفلسطينيين لاسترداد حقوقهم المسلوبة وأن هذا الموضوع ما زال يشكل القضية الأساسية منذ زمن طويل. ثم انتقل إلى الحديث عن دور المملكة في الخمسينات والستينات الميلادية التي شهدت فيها المنطقة بروز القومية والاشتراكية وخلاف الحرب الباردة على المستوى العالمي تخلله دور مهم للمملكة تمثل في دعوتها إلى لم شمل المسلمين وتأسيس منظمة المؤتمر الإسلامي (OIC) التي تضم في عضويتها الآن 57 دولة إسلامية وخمس دول مراقبة منها روسيا لتصبح أكبر منظمة في العالم بعد هيئة الأمم المتحدة ولتلعب دوراً أساسياً في خدمة مصالح الدول الإسلامية.
وتحدث الأمير عن الدور الذي لعبته المملكة في تحرير الكويت بجانب مساعدة التحالف الدولي. كما تحدث عن الإصلاحات الداخلية التي تمثلت في تطوير التعليم ودعم ثقافة الحوار التي اهتم بها الملك عبدالله بن عبدالعزيز وتوسع التعليم العالي وتأسيس جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية ودعم برنامج الحوار الوطني ودوره في طرح ومعالجة القضايا التي تهم المجتمع السعودي في المجالات المختلفة. وذكر دور العلماء في مكافحة التطرف والغلو وأشاد بفتاوى العلماء التي تحرم جرائم الإرهاب والقتل والترويج للأفكار المنحرفة على حساب الوسطية التي يدعو لها الإسلام.
هكذا بدت المملكة للمجتمع الأمريكي بفضل مثل هذا الجهد، وأنها بلد سلام وتعاون وتسامح، تعتنق المثل والمبادىء العالمية والمحبة والتعاون والتعايش، وأنها تعمل على الإصلاح في جانب من جوانب التنمية لتمتلك كل مقومات الدولة العصرية المتحضرة. بارك الله جهد الأمير وجهد كل مخلص.