خادم الحرمين الشريفين كان يحفز في حديثه المفكرين والنخب العربية والإسلامية، على قاعدة 'نحن لا نريد الاعتداء على أحد، ولكننا لن نسمح بالاعتداء علينا وعلى دولنا وشعوبنا العربية والإسلامية'
توقفت الأسبوع الماضي عن متابعة أخبار ميادين النزاع العربي لأنني غير قادر على إيجاد مكان في وعيي وذاكرتي لتلك الآلاف المؤلفة من الناس التي تهرب من حلب الشهباء العربية باتجاه الحدود التركية. هذا المشهد من الهول بحقيقته ومعانيه الكثيرة يفوق كل تلك الأحاديث التي قرأناها أو سمعناها عن خروج الشعب الفلسطيني من أرضه عام 48، ولا نزال حتى ساعة كتابة هذه الكلمات نعيش تداعياته وأهواله ومآسيه وأكلافه على كل العرب بدون استثناء. وأعتقد أن مشهدية حلب ستنهك أجيالا وأجيالا قادمة.
لا داعي للتوسع في تفسير ذلك المشهد المريب أو تحديده بقراءة سريعة، لأنه بداية قصص كثيرة ولأجيال قادمة كثيرة أيضا. وهذا يتطلب استنفارا معرفيا عربيا يبدأ بالتعامل منذ الآن مع ما سينتج عن كل تلك التطورات الكارثية التي تعيشها منطقتنا العربية، من دون الاستفاضة في الأسباب والمسؤوليات أو جلد الآخر أو الذات. ونحن الآن لسنا بحاجة إلى المفكرين الذين ملؤوا مكتباتنا بالحديث عن خيباتنا دون أن نجد كتابا واحدا يفتح آفاق مستقبلنا.
لا داعي أيضا للمغالاة في تقدير البث الإعلامي المباشر الذي ينقل الأحداث دقيقة بدقيقة ويستضيف المحللين والمعلقين على الأخبار، وهذا ليس إنجازا بل إمعان في المأساة لأننا نعيش في زمن عالم التواصل الاجتماعي السريع والمتنوع في كل مجال. لم نعد بحاجة إلى نشرات الأخبار، بل بحاجة إلى التعمق بالأحداث والتحفيز على ردع المأساة، وهذا أيضا يحتاج إلى عقول واعدة وواسعة الاطلاع، وعلى علم ودراية في الموضوعات، وقادرة على استباق الأحداث لتشكل مناعة لدى مجتمعاتنا.
لا داعي لكتابة المقالات التي تكون أقل من نشرات الأخبار، ولا داعي لاستنهاض القراء لأن النار تحرق الجميع وهم في حال من يقول أنا الغريق فما خوفي من البلل. نحتاج أن نقرأ ما يعيد ثقتنا بأنفسنا وبانتمائنا إلى أوطاننا، ويسهل علينا سبيل تقديم ما يمكن تقديمه في أزماتنا. نعم نريد عقولا تحفزنا على القيام بمسؤولياتنا وواجباتنا حين تكون بلادنا عرضة للانتهاك والاعتداء. وذلك ما قامت عليه الدول الكبرى التي نتمثل بتقدمها من دون أن ننظر إلى استعداد أبنائها الدائم لحمايتها والحفاظ على استقرارها.
سمعت كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، خلال استقباله ضيوف مهرجان الجنادرية الثلاثين، وتعرّفت على العديد من الوجوه الحاضرة مع ما كنت قد تابعته عن فعاليات المهرجان ومتحدثيه، وقرأت كثيرا من المداخلات من معظم الفعاليات. كنت أستمع بدقة إلى كلمات خادم الحرمين الشريفين، ثم أعدت قراءتها في اليوم التالي، وتعاملت مع هذا الخطاب على قاعدة لكل مقام مقال، أي أن الخطاب موجّه إلى أصحاب الفكر والرأي من كافة الأقطار العربية والإسلامية ومن أرفع المستويات. وهذا ما يجعل الغاية من الخطاب واضحة وضوح الشمس، وهو أن خادم الحرمين الشريفين كان يحفز في حديثه المفكرين والنخب العربية والإسلامية، على قاعدة نحن لا نريد الاعتداء على أحد، ولكننا لن نسمح بالاعتداء علينا وعلى دولنا وشعوبنا العربية والإسلامية. هذا ما أراد خادم الحرمين الشريفين أن تسمعه النخب العربية والإسلامية. أما توقيت الحديث فهو يأتي قبل ما يقارب العام على عاصفة الحزم وإعادة الأمل في اليمن، وبعد ساعات من إعلان المملكة العربية السعودية استعدادها لإرسال قوات برية إلى سورية بعد أن نجحت في توحيد المعارضة السورية، وذلك يجعل من الخطاب تأكيدا للمؤكد، وهو أننا نواجه من يعتدي علينا ولم نعتد على أحد.
اليوم السبت أي بعد مرور 6 أيام على خطاب خادم الحرمين الشريفين، البالغ الوضوح والحزم والصدق والدقة والمسؤولية التاريخية، ومن خلال متابعتي التفصيلية للمؤتمرات والاجتماعات الدولية التي أعقبت الخطاب، تجمعات ودول، فإنني أستطيع أن أؤكد أنهم جميعا فهموا خطاب خادم الحرمين الشريفين. وكان ذلك واضحا في جلسات الاستماع في الكونجرس الأميركي للجنتي الدفاع والخارجية، وكذلك في العرض الروسي السريع للحل في سورية، وأيضا في الإسراع بالحديث عن زيارة خادم الحرمين الشريفين إلى موسكو منتصف مارس القادم. كما جاء ذلك بالتزامن مع اجتماعات الحلف الأطلسي في بروكسل والاجتماع الخاص للتحالف ضد داعش، والحديث عن قوة برية وإعادة التموضع إلى الحلف في البحر المتوسط، وبالتزامن أيضا مع حديث كيري عن الخطة باء العسكرية في سورية، مع ما قاله لوران فابيوس وهو يغادر الخارجية الفرنسية بأن أميركا وسياسة أوباما كانتا سببا في المأساة السورية، وبالتزامن أيضا مع حديث إردوغان عن سياسة أميركا في تحويل سورية إلى بركة دماء، وكذلك بالتزامن مع اجتماعات ميونخ بالأمس حول سورية.
كل ذلك ما كان ليكون لولا الحزم الذي تضمنته كلمة خادم الحرمين الشريفين. والذي أذهلني هو أن العالم بأسره فهم رسالة الملك سلمان بن عبدالعزيز، أما المفكرون العرب والمسلمون الذين توجه إليهم خادم الحرمين الشريفين في كلمته، فإنني من خلال متابعتي لكتاباتهم وأحاديثهم وندواتهم أشك كثيرا في فهمهم الخطاب الموجه إليهم من أجل تحمل مسؤولياتهم في الدفاع عن إنسانهم ودولهم ومجتمعاتهم. لقد فهم العالم خطاب الملك، فمتى يفهمه المفكرون العرب؟