ليست من صلاحية الأفراد (التقويِّ) على الناس في الأمر أو النهي، وعدم منعهم عن هذا (التسلط)، وإفهامهم تراتبية الموضوع سيقلب الحال من منع للمنكر، إلى إثارة له بطريقة أو أخرى

الأسبوع الماضي كان حافلا ببعض المنغصات التي تسبب فيها الفهم غير المستقيم لمسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ وبصراحة بعض هذه الأفعال تسببت في أن نكون جميعا مثار ازدراء وسخرية وتهكم من عدد لا بأس به من البشر.
لا أريد هنا أن أغوص في الأفعال التي حصلت مؤخرا، والتي تأتي امتدادا لما مررنا به بهذا الخصوص من فترات لا بأس بها؛ وسأحاول المرور على مسألة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، مرورا لا أكرر فيه فضل هذه القيمة النبيلة والشريفة.. لم يكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عهد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ، ولا في عهد خلفائه ـ رضي الله عنهم ـ يعتمد على تنظيم تقوم به منظمة معينة، بل كان الأمر يعتمد على ضمائر الناس، وتفانيهم في حفظ كل شيء، بغية الوصول إلى درجة (المفلح) أي الفائز ـ {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} ـ .. فهم بعضنا الأمر في الآية أنه على الإطلاق، مع أنه ليس كذلك أبدا؛ فللأمر والنهي بالمعروف وعن المنكر، شروط وموانع، ولعل أبرز دليل في هذا الشأن مجيء صحابي إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يسأله: كيف آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، ولا تأخذني في الله لومة لائم؟، فأجابه ـ صلى الله عليه وسلم ـ : ليس ذلك إليك، إنما إلى السلطان.
اتصالا بهذه الفرعية المهمة يعجبني ما قاله الشيخ ابن القيم في الجزء الثالث من كتابه القيم (إعلام الموقعين عن رب العالمين)، عندما تحدث عن تغيير الفتوى واختلافها، وعرج على شروط إنكار المنكر قائلا: إنكار المنكر أربع درجات: الأولى: أن يزول ويخلفه ضده، الثانية: أن يقل وإن لم يزل بجملته، الثالثة: أن يخلفه ما هو مثله، الرابعة: أن يخلفه ما هو شر منه؛ فالدرجتان الأوليان مشروعتان، والثالثة موضع اجتهاد، والرابعة محرمة؛ فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم منه إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك، وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مكاء وتصدية فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد، وإلا كان تركهم على ذلك خيرا من أن تفرغهم لما هو أعظم من ذلك فكان ما هم فيه شاغلا لهم عن ذلك، وكما إذا كان الرجل مشتغلا بكتب المجون ونحوها وخفت من نقله عنها انتقاله إلى كتب البدع والضلال والسحر فدعه وكتبه الأولى...
ليست من صلاحية الأفراد (التقويِّ) على الناس في الأمر أو النهي، وعدم منعهم عن هذا (التسلط)، وإفهامهم تراتبية الموضوع سيقلب الحال من منع للمنكر، إلى إثارة له بطريقة أو أخرى؛ وسيصبح ذلك الإنكار ارتكابا للحرام؛ من حيث أنه (أخلف ما هو شر منه)، والبينات واضحة جدا.