من المعلوم أنّ حركة الحياة لا تشبه الحركة على رقعة شطرنج تنكشف تفاصيلها للعيان بالكامل. يضطرّ الإنسان في حياته إلى التعامل مع كثير من البقع العمياء التي تقع خارج إدراكه ولا يستطيع مواجهتها بغير الاستقراء الظنّي، بل وبمجرد الحدس في أحيان كثيرة. في الحقيقة أن مصادفة البقع العمياء هي الأصل في حركة الحياة ولكن كيف ينعكس هذا على طريقة الإدراك الإنسانية في الجملة؟
يحب الإنسان بطبيعته التعامل مع الواضح اليقيني دائماً، ولذلك فإنه غالباً ما يرتبك إزاء الزوايا المجهولة من العالم.
من أكثر آليات معالجة هذا الارتباك شيوعاً هو إقناع الذات بوضوح القضية والتصرف بناء على ذلك الوضوح، مما يعني التغافل التام عن وجود الهوامش المجهولة في تلك القضية. يزيد الميل إلى هذا التكنيك النفسي كل ما ازدادت القضية أهمية واتساعاً، لذلك فمن الممكن أن يتقبل المرء عدم يقينه من قرار يتخذه بخصوص قطعة أثاث يشتريها أكثر من تقبله عدم يقينه من مواقف أصدقائه المقربين على سبيل المثال. لعل هذه المفارقة هي المسؤولة عن ميل الفرد لاتخاذ قراراته بنفسه والتفكير إزاءها بعقل مستقل عندما يتعلق الأمر بشؤونه اليومية الصغيرة، في حين أن هذا الحرص ينخفض كلما ازدادت أهمية القضية وارتفع خطرها! يميل الإنسان في العادة إلى التفويض عند ذلك، بل والتعامل مع صحة قراره بالتفويض بما يشبه اليقين، فهذا فقط ما يجنبه ألم الارتباك الناشئ عن احتجاب كثير من الزوايا المجهولة عن وعيه البسيط. هذا ما يفرز في العادة نشوء فئات توظف هذه السمة البشرية لمصلحة سطوتهم، من خلال ادعائهم معرفة ما ينبغي فعله بشكل يقيني تجاه ما يهم الآخرين من قضايا.
رغم أن هذه سمة بشرية عامة إلا أنّ هناك بعض التفاوت الثقافي المتعلق بها كما يبدو.
هذا ما لاحظه (جيرت هوفيستيد) عندما وضع نظريته في الأبعاد الثقافية المؤثرة على الإنتاج الحضاري. قام هوفيستيد بجمع بياناته من 53 دولة بهدف توظيف تلك البيانات لمصلحة تحسين الخدمة الإدارية لشركته آي بي إم العابرة للقارات. استعمل في دراسته 5 معايير رئيسية هي: التعامل مع حاجز السلطة، والتعامل مع الأمور غير اليقينية، والجنوح إلى الفردانية، ومعدل النزعة الذكورية، والنظر إلى المدى البعيد.
يقرر هوفيستيد بناء على هذه الدراسة أن الثقافات العالمية تتفاوت في كل معيار من هذه المعايير وقد يصل التفاوت بين ثقافتين في معيار محدد إلى مدى بعيد أحياناً.
يسجل العرب في معيار هوفيستيد للتعامل مع الأمور غير اليقينية درجة كفاءة منخفضة، حيث يغلب عليهم سهولة تجاهل الغامض والتظاهر بعدم وجوده، مما ينعكس عليهم بشدة في نزوعهم إلى المحافظة وإبقاء الأمور دون تغيير. وربما من غير المستغرب أن يسجلوا درجة منخفضة أيضاً في معياره لكفاءة التعامل مع حاجز السلطة، وكذلك الأمر في النزعة الفردانية.
رغم أن هوفيستيد لم يتطرق إلى ضرورة التلازم بين هذه المعايير الثلاثة، ورغم أن الثقافات التي سجلت درجات منخفضة فيها لم تسجلها بشكل متشابه، إلا أني أميل إلى وجود شيء من العلاقة بين هذه المعايير التي سجل العرب فيها ذلك الانخفاض المذكور. يبدو لي أن تضخم الثقافة الأبوية وارتفاع حاجز السلطة في مجتمعاتنا ناتجان عن صعوبة تكيفنا مع الأمور غير اليقينية التي نتحاشى مواجهتها دائماً، وكذلك الأمر في جنوح الفرد لدينا إلى الاتساق مع الجماعة حتى في أبسط الشكليات وأدق العادات.
لا شك أن في احترام سلطة الأب والمعلم ورئيس العمل ونحو ذلك من سلطات جوانب إيجابية، كما أن للاتساق مع الجماعة فوائد أيضاً، إلا أن تجاوز الطبيعي في ذلك لا بد من أن ينتج عنه تعطيل للحركة الحضارية.
يبدأ الحل في نظري من خلال مواجهة نقطة ضعفنا الثقافية في التعامل مع الغموض واللا يقين. علينا أن نتعلم كيف نتعامل مع الأمور دون الاضطرار إلى إثباتها أو إنكارها، من المهم أن ننشئ أجيالاً تعترف بحساب الاحتمالات وتتحمل مسؤولية الخطأ دون أن تقسو على نفسها ودون اللجوء إلى من تفوضه بالتفكير نيابة عنها.
يكون ذلك من خلال التركيز التربوي على آليات التفكير الناقد، وهو المنهج الذي باتت تتبعه أغلب الأمم التي تسعى إلى دور ريادي في البنيان الحضاري.
فهل نرى ذلك قريباً؟