مضت سنوات على ارتفاع أسعار النفط، وارتفاع الدخل الوطني والطفرة، وكان ينبغي معها سرعة التنمية في شتى المجالات، ومعالجة الملفات المهمة، وعلى رأسها الفقر والبطالة والإسكان
لا شك أن كل عمل يسبقه تخطيط وتنظير، ولكن المبالغة فيهما حد الملل والكلل، والاكتفاء بهما عن العمل أو الانشغال بهما عن التطبيق، يعني أننا في حاجة ماسة إلى مراجعة أنفسنا، وتغيير طريقتنا نحو الموازنة بين القول والفعل، والتنظير والتطبيق.
وحتى لا يكون مقالي في حد ذاته تنظيرا مجردا عن التمثيل، فإنني أقدم بعض النماذج التي تساعد على توصيل فكرتي نحو الإقلاع عن بعض سلوكياتنا الخاطئة، والتي عند تنبهنا لها واعترافنا بها وكفنا عنها، سنحقق درء المفاسد الواقعة والمتوقعة، وجلب المصالح المفروضة والمفترضة.
النموذج الأول، في صفحات الجرائد، سواء من حيث المقالات المغرقة في المثاليات وربما أحيانا الموغلة في النظريات والبعيدة عن الواقع والممكن تحقيقه، أو من حيث الأخبار والتصريحات والوعود تحت بند قريبا، ولو رجعنا إلى غالب المنشور لوجدناه إما مبالغة في وصف لحال واقع أو وعودا لحال مستقبل، ثم تمضي السنين والعقود ونحن لم نشاهد إلا القليل من هذه الوعود.
والنموذج الثاني، في مواقع الإنترنت عموما، ومواقع التواصل الاجتماعي خصوصا، وتويتر على وجه أخص، حيث التخمة الكبيرة في الكلام؛ فنشبع يوميا عبر قراءتنا مئات التغريدات والتعليقات، ثم في نهاية المطاف لا نجد إلا الحروف الفارغة التي لا تشبع البطون الخاوية ولا العقول المتعطشة.
والنموذج الثالث، في شاشات القنوات الفضائية، حيث المبالغة في الأوصاف والتهويل في التصوير على حساب الحقائق، ومثله المسموع في الإذاعات، والمطلع عليه في برامج الهواتف الذكية.
ثم بعد ذلك، وفي كل صباح، نخرج من منازلنا نحو أعمالنا، ولا نجد شيئا من ذلك العالم الافتراضي مطبقا في حياتنا، فالشوارع هي نفسها، والسلوكيات المرورية الخاطئة على حالها، فتجد من يقطع الإشارة، ومن يقف في طريق المشاة، وكثير من المخالفات، وهكذا في الشؤون الأمنية، من حيث السرقات للسيارات والمنازل وقضايا الاعتداء على الحقوق العامة والخاصة، فضلا عن سوء الخدمات المقدمة في بعض الدوائر الحكومية.
ومن أراد النموذج الأوضح في المسافة الكبيرة والهوة السحيقة بين التنظير الجميل والتطبيق الهزيل، فلينظر إلى الخطط الخمسية التنموية للدولة الصادرة منذ 5 عقود من وزارة التخطيط، ومثلها المشروعات التي نسمع عنها منذ سنين، ولم نر منها إلا القليل على الأرض وأمام العيون، فضلا عن المماطلة في التطبيق والبطء في التنفيذ والضعف في الإتقان والارتفاع في الأسعار، فالمشروع الذي يكون لصالح قطاع أهلي تجده ينفذ في وقت أقل وجودة أعلى وسعر أدنى، والسائح اليوم في مدننا يرى الطفرة في المشروعات، ولكنها أقل بكثير مما قرأناه من خطط ووعود عبر عقود، وما نتجرعه في كل صباح في صفحات جرائدنا وشاشات قنواتنا ومواقع تلك القطاعات الحكومية على الإنترنت، ومواقع التواصل الاجتماعي.
ومع مراعاتنا كل المعوقات المالية، وتقديرنا لكل البيروقراطية الإدارية في القطاعات الحكومية، إلا أننا نعتقد أن في مقدور جميع المسؤولين المزيد من التطبيق، وكما أننا نشكو من وفرة التنظير وقلة التطبيق، فكذلك نشكو أحيانا من فوضوية التطبيق التي لا تسبقها صحة في التنظير، بحيث تغيب الاستراتيجيات والخطط عن مشروعات التنمية المفترضة لاغتنام الفرص التاريخية، حيث مضت سنوات من ارتفاع أسعار النفط، وارتفاع الدخل الوطني، والطفرات المفترضة، والذي كان يجب معها سرعة التنمية في شتى المجالات، ومعالجة الملفات المهمة، وعلى رأسها الفقر والبطالة والإسكان، وكذلك الأمن والصحة والتعليم وغيرها، إلا أنها ذهبت تلك السنوات وذهبت معها مئات المليارات بل التريليونات دون أثر كبير يستحق كل تلك المبالغ الفلكية، فضلا عن الوفرة في الميزانيات التي كان يجب أن يحافظ عليها من السنوات السمان للسنوات العجاف.
وحتى لا أكون مبالغا أو مجرد منظّر وناقد بلا دليل، سأعطي مثالا واحدا على سوء الأداء الحكومي، وهو ملف الإسكان فضلا عن غيره، إذ ألغيت وزارة الأشغال العامة والإسكان وبقي الوطن بلا جهة تقوم بهذا الواجب لعدة سنوات، ثم أنشئت هيئة للإسكان لمدة 4 سنوات، ثم تحولت إلى وزارة لـ5 سنوات، والآن مضى العام التاسع ودخلنا في العاشر ومع وزير جديد وما زال المبلغ المرصود وقدره ربع تريليون ريال يراود مكانه، والشعب يشكو من هذا الملف، وكان من المفروض أن يكون لكل وزير حقيبة من 5 أركان إستراتيجية واقعية كاملة وشاملة وخطة تنفيذية واضحة وجدول زمني دقيق ومقياس أداء فاعل والركن الخامس في وضع نسبة مئوية سنوية كحد أدنى لأداء كل وزير فمن نزلت نسبة أدائه عن نسبة معينة، يتم عزله فورا ودون أن تضيع الأعمار، ويدفع الثمن الوطن والمواطنون، ويكفي ما خسرناه من أعمارنا.
في الختام، أؤكد أن وطننا بخير، ومواطنونا فيهم خير، إلا أن مصالح العباد والبلاد تتطلب مزيدا من السرعة والإنتاج والإتقان، لتعويض ما مضى، وكما أننا نجيد النقد للمقصرين، فيجب أن نجيد الإشادة بالناجحين تشجيعا لهم، وبثا لروح المنافسة الفاعلة بين العاملين للمصلحة العامة.