جاء عصر النفط وحمل كثيرا من الخيرات، وأهمها أنه أطال معدل عمر الإنسان؛ إلا أن الموت عاد ليطل مع الإهمال والاستهتار وتعددت أسبابه حتى نجد بعض الأسر تفقد أبناءها بسبب التهور والسرعة
(ربَّ داء لا أرى منـه سوى الصبرِ شفاء
أحمد الله على ما سرَّ منْ أمري وساء
أبو فراس الحمداني)
تكررت الكتابة عن تسبب حوادث السيارات في موت يقطف زهرة شبابنا ويحولهم لضحايا للإهمال وعدم المتابعة من جهة، ولضحايا التباهي بأحدث السيارات وأسرعها من جهة أخرى؛ وربما مات في عام واحد بسبب الحوادث ما يفوق شهداءنا في كل حروبنا التي خضناها في العقود الأخيرة!
نزف لأنفس يؤدي لنزف الأسر لبريقها، الفقد والحزن يؤديان لأمراض نفسية وعصبية قد لا تجد طبيبا، إما لجهل بالضرر أو لخوف من التعامل مع الطب النفسي. لا شيء يخفف الفقد، لكن حين يحضر الموت في موطن فخر فيسطر اسم الميت في سجل شهداء الواجب يكون عزاء أحبابه أن ثمن حياته دفع في محله، وأنه اختار أن يموت ليحيا غيره ملايين من البشر، وعكسه تماما أن يتجرع الأهل مرارة فقد كان لخطأ أو عدم متابعة وقعا منهم وكان من الممكن تجنبهما.
الموت يغيب الأحباب ويكون الحزن أقوى حضورا؛ حزن نراه في عيني ابن لم يعد له أب يأخذ بيده، أو ابنة تقول أريد أبي وأحتاجه كلما زاد الزمن مسافة البعد بينها وبين لحظة رحيله، ويلوح في عيني أم لم تظن يوما أن الحياة ممكنة بعد فلذة كبدها، وأب وأحباب كانوا يرون شعاع الحياة يعبر عبر من رحل. ويسألون أنفسهم في ذهول: أغربت الشمس وحل الظلام أم أننا لم ندرك مقدار النور الذي كنا نملكه في حياتنا قبل رحيلهم؟!
تحول طالبة ليتيمة محنة هي أقسى ما نمر به في تعاملنا مع الطالبات في قطاع التعليم؛ خاصة حين يصيب الطالبة الذهول والانهيار ويستمر؛ بل إن بعض الطالبات تحرص على أن تهرب لحزنها وتأبى على كل من حولها أن ينتزعها منه؛ بل ربما تملكها شعور أن من الإثم أن تنسى ومن الخطيئة أن تتعامل مع الحياة كما كانت، بل يجب عليها أن تنغلق على الحزن وتكفر عن كل ما يصوره لها شيطان الفقد إثما.
لا نزال عاجزين عن التعامل مع كثير من القضايا التي تعامل معها الآباء والأجداد ببساطة، فالموت كان قدرا بمرض عضال لم يجد دواء، أو ضعفا لم يجد رعاية، أو جوعا لم يجد طعاما في سنوات القحط ولكنهم تعاملوا مع الموت بالرضا والتسليم، فالحياة في صحراء قليلة الموارد كانت تعني أن كل شيء – حتى البشر- قابل للنفاد! فكم من بيوت أغلقت أبوابها بعد سنة من سنوات المرض وانقطع نسلها للأبد!
جاء عصر النفط وحمل كثيرا من الخيرات، وأهمها أنه أطال معدل عمر الإنسان الذي أصبح يتلقى الغذاء والدواء والرعاية؛ إلا أن الموت عاد ليطل مع الإهمال والاستهتار وتعددت أسبابه حتى نجد بعض الأسر تفقد أبناءها بسبب كالتهور والسرعة تباعا، فعاد الموت ليحصد الأرواح، لكن الفرق أن الأسباب أصبحت اختيارية، لدرجة أن سيدة تقول إن أسرة زوجها فقدت طفلا غرقا في استراحة العائلة ولكن هذا لم يجعل الأمهات أكثر حذرا.
الحذر مهم ولكنه لا يدفع القدر؛ فمهما حرصنا وأخذنا بالأسباب فلكل أجل كتاب، لكن أن نستبعد الحذر من قاموس حياتنا فكأننا نعود إلى صحراء الأجداد القاحلة إلا من أخطار الموت والفقد.
في مواجهة الموت تصبح الأماني المستحيلة نافذتنا الوحيدة للعبور للماضي فنندم على قول أو فعل صدر بحق من رحل وكأن الندم هذا سيصنع سفن العودة للراحلين!
هذا عند مرهفي الحس، أما من غلبت المادة على مشاعر الحب والقربى عندهم فكأن الموت مزحة لا حقيقة بالنسبة لهم!
أخيرا تبقى قضية التعامل بصبر وثبات لحظة المصاب، فكم من مصاب ضاعفه سوء نقل الخبر، أو كم من حزين انسحب حزنه الممتد على أولاده فحولهم لمعتلي الأرواح. وما أحوجنا لالتفاف الأحباب والأصدقاء حين نمر بهذه المحن علنا نعبر مرارة الحزن بقلوب الطيبين المتوجعين لأجلنا.
بعد كل صلاة في مسجد يعلن فيه المؤذن الصلاة على الأموات من الرجال والنساء والأطفال، لا يقال الصلاة على الدكتور الحقيقي أو الوهمي، ولا يذكر أن الميتة كانت سيدة مجتمع أو ربة منزل، ولا ندري أرأى الطفل النور أم لم يره؟! الكل تساوى أمام الموت وكذلك الكل يتساوى أمام الحزن فعلنا أن نعين من يحتاج لنور يقوده إلى نهاية نفق الحزن.