كنت يومها مراهقاً، قبل ثلاثة عقود.
كنت يومها مراهقاً، قبل ثلاثة عقود، تحتل جسدي كل مكارم الأخلاق التي قرأتها في دروس المطالعة وحصص التجويد في المرحلة الابتدائية والمتوسطة. كنت أسمع أن موظف الجوازات في دول عروبية مجاورة لا يختم جواز السفر إذناً بالدخول إلا إذا فتح الجواز فوجد في (جوفه) بضعة نقود تحت مصطلح (البخشيش) ويومها أيضاً كنت في حمى المقاربة والمقارنة بين ما وصل إليه هؤلاء القوم وما نحن عليه يومها من المكارم والرفعة والسؤدد.
اليوم، أضحك حتى ـ نواجذي ـ المخلوعة بضغط الزمن. هؤلاء توقفوا عند البخشيش ولكن أين نحن؟ وإذا كان ـ بخشيش ـ القوم من حولنا ـ ـ فراطة ـ جيب أو زجاجة عطر على كاونتر أو ورقة مال وحيدة من العملة الصعبة أو حتى واسمحوا لي (سيجارة حشيش) بين بؤر الفساد في دوائر هؤلاء الأقوام فأين ـ بخشيشنا ـ المحلي بالمقارنة والمقاربة مع القوم؟ البخشيش المحلي في الصناعة الوطنية الخالصة لمجتمعنا أدهى وأكبر وأعظم وأطول وأعرض من أن تضعه في ظرف يحمله الجيب. أثقل بكثير من أن تحمله نقداً إلى المكتب العمومي الذي تريد منه أن يكون نهاية رحلة البخشيش. أكثر حجماً من أن تدسه من تحت الطاولة. أكثف من أن يسيل مباشرة من حسابك البنكي إلى حساب المستهدف بالبخشيش إذ لا بد لإخفائه والتمويه عليه أن يسيل عبر حسابات عائلة بنكية، تبدأ بك، ثم يدلف إلى حسابات عائلة المستهدف حين ينتهي إليه. لا بد أن يمر ـ البخشيش ـ لدينا عبر عشرين حساباً بنكياً كي يضيع دمه بين القبائل. ختم الجواز لدى الأقوام من حولنا يحتاج إلى ـ فكة ـ معدودة تكون فيها حذراً ألا تؤدي الفكة إلى شبهة بما في بطن الجواز. توقيع المسؤول لدينا على استلام المشروع أو تخليص المستخلص أو ترسية المشروع أو البصمة على بوليصة التوريد يحتاج إلى ملايين. دهن السير لدى الأقوام من حولنا يحتاج إلى ـ كلمة حلوة ـ وورقة نقدية واحدة من عملة البلد، بينما دهن السير لدينا يحتاج إلى براميل من الزيت. لن أغالط الحقيقة ولن أكذب عليها ولن أزور أرقامها إن قلت إنها تساوي ربع إنتاجنا من النفط. نعم ربع إنتاجنا من النفط يذهب في البخشيش، زيتاً لدهن سيورنا المختلفة فلا يسيء أحد الظن، أنا لا أتحدث عن ربع الموازنة: أنا أتحدث عن حاجة السيور إلى الزيت.