إعلان المملكة وقف مساعداتها العسكرية لدولة لبنان، المقدرة بأربعة مليارات دولار أميركي، وتحذير مواطنيها من السفر إلى لبنان الشقيق، جاء نتيجة حتمية لاستيائنا من وقوع لبنان رهينة في شرك الخراب الإيراني
لا يختلف اثنان على أن لبنان العربي يعتبر من أجمل بقاع العالم قاطبةً وأقدمها حضارةً، ويضم شعباً عربياً من أكثر شعوب المعمورة عراقةً وأعظمها طموحاً، لذا لجأت دول الخليج العربية إلى الوقوف بجانبه في السراء والضراء، وأغدقت عليه مساعداتها واستثماراتها لدعمه وحمايته من تكالب المخربين والمرتزقة، الذين استباحوا بعصاباتهم مقدرات الدول وترعرعوا بمغامراتهم غير المدروسة على أكتاف الشعوب.
وفي الوقت الذي أكدت كافة التقارير الدولية أن دول الخليج العربية تأتي في مقدمة الدول المانحة للبنان وتمويل مصارفه وتعزيز عملته ودعم اقتصاده وتنفيذ مشاريعه التنموية، ليستفيد منها الشعب اللبناني بكافة أطيافه، أكدت هذه التقارير أن دولة ملالي إيران تربط دعمها المالي الزهيد حصرياً بمرتزقة سيد الخراب اللبناني من خلال تسليح فئاته وتدريب فصائله وتقديم الدعم الاستخباراتي لكتائبه.
مسيرة الخير والعطاء السعودية، التي انطلقت منذ الزيارة الأولى للرئيس اللبناني كميل شمعون إلى الرياض في عام 1953، التزمت بمنح لبنان مكانة خاصةً في قلب المملكة مقارنةً بغيره من الدول العربية. لذا احتضنت المملكة في مدينة الطائف اجتماع كافة الأطراف اللبنانية المتنازعة، الذي نجح في عام 1990 بالتوقيع على اتفاق تاريخي شامل يضمن تعايش جميع اللبنانيين بسلام بعد 15 عاما من الحرب اللبنانية المدمرة، التي كادت تعصف بهذا البلد العريق وتقضي على شعبه العربي الأصيل.
ومنذ هذا الاتفاق، استمرت المملكة في دعم لبنان ومساعدته على التعافي من أزماته المالية والاقتصادية المتتالية من خلال ضخ استثماراتها ومنح هباتها، التي تجاوزت 70 مليار دولار أميركي خلال الفترة بين 1990 و2015، لترتفع اليوم موجودات المصارف اللبنانية من العملة الصعبة إلى حوالى 65 مليار دولار. وفي المقابل كانت دولة ملالي إيران تختفي عن دعم لبنان في الأوقات الحرجة، مثلما غابت أثناء العدوان الإسرائيلي على لبنان في يوليو 2006، التي قضت على الأخضر واليابس بسبب مغامرات سيد الخراب اللبناني.
ونتيجةَ لخسائر لبنان من هذا العدوان، قامت المملكة بدعم خزينته بمبلغ مليار دولار لتعزيز احتياطاته من العملات الأجنبية ومنعاً لانهيار اقتصاده، إضافةً للمبالغ التي تبرعت بها الدول الخليجية الأخرى لإعادة إعمار البنى التحتية المدمرة والمتضررة وتمويل المشاريع الإنمائية والتربوية والأمنية، التي بلغ مجموعها 1186 مليون دولار.
وبالرغم من أن سيد الخراب الإيراني فقد صوابه بعد حرب يوليو 2009 وبدأ يكيل شتائمه ضد السعودية للخروج من مأزق مغامراته غير المدروسة، إلا أن المملكة استمرت في دعمها للبنان، فأقامت جسراً إغاثياً تاريخياً قدمت عبره المساعدات الإنسانية والغذائية والطواقم الطبية العاجلة للشعب اللبناني بكافة طوائفه، وبادرت فوراً بتحويل وديعة مالية بمبلغ مليار دولار لمنع انهيار العملة اللبنانية.
وبينما كانت دولة ملالي إيران بعد حرب يوليو 2009 تكتفي بدعم حزب سيد الخراب اللبناني بالبيانات الخطابية والمواقف الإعلامية لتجييش الفتنة الطائفية وإرهاب الشعوب العربية، قامت المملكة بضخ 175 مليون دولار في لبنان لتمويل إعادة إعمار البنى التحتية، وبناء مراكزه الحيوية، وتنفيذ مشاريعه الإنمائية، إلى جانب اعتماد 100 مليون دولار لتجهيز الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي بالمعدات. وطبقاً لمقررات باريس 3 منحت المملكة الحكومة اللبنانية مبلغ 100 مليون دولار وقروضا ميسرة بقيمة مليار دولار لاستخدامها في مجالات الطاقة والبنى التحتية الأخرى، بالإضافة إلى دعم القطاع التربوي اللبناني بقيمة 84 مليون دولار وتغطية قيمة شراء الكتب المدرسية اللازمة للمدارس والمعاهد اللبنانية.
وعلى مستوى القطاع الخاص قام المستثمرون الخليجيون خلال الأعوام الخمسة الماضية بضخ 10 مليارات دولار سنوياً في القطاعات العقارية والسياحية اللبنانية، إضافةً إلى الاستثمارات السعودية في القطاعين التجاري والصناعي، التي بلغت حوالى 6 مليارات دولار في العامين الماضيين، وتجاوزت عدد مشاريعها المشتركة 200 مشروع، منها 92 مشروع صناعي في لبنان يبلغ إسهام الجانب السعودي فيها نحو 57% من رأس المال المستثمر، والذي يصل إلى 2.4 مليار دولار.
وهذا ما أكدته صحيفة الأخبار اللبنانية الموالية لحزب سيد الخراب اللبناني الصادرة بتاريخ 22 فبراير الجاري، التي أقرت: أن الودائع غير المُقيمة في لبنان تمثل 20% من إجمالي الودائع، أي ما يقارب 30 مليار دولار، منها ما بين 3 إلى 4 مليارات دولار لمستثمرين سعوديين.
وفي الوقت الذي لا يزيد عدد اللبنانيين المقيمين في إيران عن 25 ألف لبناني، فتحت المملكة ودول الخليج العربية الأخرى أبوابها لأكثر من 600 ألف لبناني للعمل والإقامة والعلاج، الذين فاقت تحويلاتهم في العام الماضي فقط مبلغ 7 مليارات دولار، لتسهم في إنعاش الاقتصاد اللبناني، إضافةً إلى تشجيع دول الخليج مواطنيها على دعم السياحة اللبنانية.
وبينما تُشكل الاستثمارات الخليجية نحو 85% من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في لبنان، لا تزيد الاستثمارات الإيرانية عن 3%، كما لا تزيد الصادرات اللبنانية إلى إيران عن 3.2 ملايين دولار سنوياً، بينما تتجاوز هذه الصادرات إلى الدول الخليجية مبلغ 772 مليون دولار، لتعادل 52% من إجمالي الصادرات اللبنانية إلى مختلف دول العالم.
إعلان المملكة وقف مساعداتها العسكرية لدولة لبنان، المقدرة بأربعة مليارات دولار أميركي، والذي تبعه قرار الدول الخليجية تقليص تمثيلها الدبلوماسي وتحذير مواطنيها من السفر إلى لبنان الشقيق، جاء نتيجة حتمية لاستيائنا المشوب بالألم من وقوع لبنان العربي رهينةً في شرك سيد الخراب الإيراني ومرتعاً خصباً لعصابات قائد جبهة الإرهاب الطائفي.