صكوك الغفران كانت تباع على شخص واحد، وتعده بالجنة، أي عملية نصب تدخل لقلبه السرور والبهجة. أما صكوك النكران فتصدر بحق شخص أو فئة أو طائفة، وهي رخصة إهدار دم أبرياء، وإدخال رعب لقلوب البشر
كنا نقرأ عن صكوك الغفران التي كان يصدرها البابا المسيحي ومعاونوه من القساوسة ويبيعونها على السذج والبسطاء من المؤمنين المسيحيين، ويستلمون ثمنها عداً ونقداً لمن يريد أن يدخل الجنة؛ وكنا نحمد الله على نعمة الإسلام الذي خلا من هذه الترهات الكهنوتية، والتي حولت المسيحية من ديانة سماوية طاهرة إلى تجارة دنيوية، تدر الأرباح المادية والمناصب السياسية والمعنوية. وهم يدخلون في خانة من نعتهم الله في قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
وهذا لا يعني أن كل الأخوة المسيحيين واليهود، يستغلون ديانتهم من أجل مكاسب دنيوية، حيث قال تعالى وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب. حيث ظهرت الحركة الإصلاحية الدينية المسيحية في القرن السادس عشر الميلادي على يد مارتن لوثر كنق، والذي أدان، بيع صكوك الغفران، تمهيداً لتطهير الديانة المسيحية من أردان وتشوهات الكهنوت المتمثل في سطوة رجال الدين، الذين يقوون ويزداد شرهم بالمكاسب المادية والسياسية والمعنوية التي يجنونها من متاجرتهم بآيات الله، وعليه يتحكمون بكل مفاصل الأعمال والأنشطة في مجتمعاتهم. إذاً فكانت أول خطوة إصلاحية بدأها المصلح الكبير مارتن لوثر، هي تجفيف منابع الدعم المادي لصناعة الكهنوت المتمثلة في سلطة وسطوة رجال الدين. وبعدها ركز في حركته الإصلاحية على عدم وجود وسيط أو وسائط بين العبد وربه، ولا يليق بأن يكون هنالك وسطاء بين الله وخلقه، غير رسله وكتبه المقدسة، والتي يجب أن ييسر فهمها لكل الناس على مختلف مستوياتهم التعليمية والاجتماعية؛ أي أزاحهم معنوياً بعد أن أفلسهم مادياً.
وقد ظهر في الولايات المتحدة في الثمانينيات والتسعينيات من القرن المنصرم الحركات الإيفانجليستية (الإخوان المسيحيون)، والتي أخذت تنمو بشكل متسارع، بسبب صعود المد اليميني الريقاني، نسبة للرئيس ريقان، وتصاعد تقنية الاتصالات الجماهيرية، المتمثلة بالفضائيات. وعليه انتشرت ظاهرة الفضائيات التبشيرية والتي أطلق عليها بـ تليفانجليست. وبرز في هذه الفضائيات نجوم، أصبح لهم صولاتهم وجولاتهم في الشأن الأمريكي مثل روبرت باترسون، وجيمي سواجرت وجيم بيكر، وغيرهم.
وكان خطابهم الديني مزيجا من الدجل (القراءة على المرضى) والتحريض على الآخر والحض على محاربته وإبداء خطره، والتغني بأمجاد المسيحية، والمسيحيين الأوائل. وطرحوا أنفسهم كحماة للمسيحية وحضارتها، والتي فرط بها السياسيون. وهكذا نجحوا في دغدغة مشاعر البسطاء والسذج والذين أخذوا يزخون لهم التبرعات بشكل منقطع النظير.
ولكن بسبب متابعة الإعلام الحر لهم، ولتصرفاتهم وكشفها للعلن، أخذوا يتساقطون الواحد تلو الآخر في فضائح جنسية وسرقات مادية يصرفونها على حياتهم الباذخة التي أصبحت تنافس حياة نجوم هوليوود، ولسان حالهم يقول ما فيه أحد أحسن من أحد. ولسان حالنا يقول ونحن نرى ونشاهد ونكتوي بنيران خطاب نجوم فضائياتنا الدينية فعلاً ما فيه أحد أحسن من أحد. ولكن هناك مصلحة للضرائب تراقب وتتابع أين تتحرك الأموال، أما هنا فكله رزق من الله.
أي رجعت مرة ثانية عندهم المتاجرة بآيات الله. أما عندنا فقد ظهرت كسابقة، حيث وصلت المتاجرة بنشر رسائل على الجوال تقول إحداها كن رفيق الشيخ الدكتور ( ..... )، واحصل يومياً على رسالة صوتية أعدها خصيصاً لك. للاشتراك: أرسل رسالة فارغة إلى الـرقم ( ....... )، رسوم الاشتراك النصف شهرية 12 ريالا فقط..! وهذا مناف لقوله تعالى خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمناً قليلاً. وهنا وبلا شك أو جدال، فتهمة المتاجرة بآيات الله لا يختص بها المسيحيون فقط، فالحال الآن أصبح من بعضه، أصبح لدينا كهنوت كما لديهم كهنوت، وفضائياتنا تعج بالتحريض والسب والنصب والكذب والاحتيال والارتزاق على حساب المؤمنين البسطاء، وذلك ببيعهم آيات الله مع تخفيضات موسمية.
والأدهى من كل هذا، أن كهنتنا ورجال ديننا (ليس منهم علماء الدين الأجلاء)، الذين أدانوا صكوك الغفران التي كان يبيعها رجال الكهنوت المسيحيون، في عصورهم المظلمة وقعوا في المحظور واستبدلوها بصكوك نكران. فأصبحت فتاوى التكفير والإخراج من الدين والملة وإدخال الناس جهنم أفراداً وجماعات، تصدر منهم بشكل شبه يومي؛ وهذه ما أسميها صكوك النكران. صكوك الغفران كانت تباع على شخص واحد، وتعده بالجنة، أي عملية نصب تدخل لقلبه السرور والبهجة. أما صكوك النكران فتصدر بحق شخص أو فئة أو طائفة، وهي رخصة إهدار دم أبرياء، وإدخال رعب لقلوب البشر، ومد كل من لديه شهية للقتل والذبح والتفجير والنسف والإجرام بالرخص الشرعية والمبررات الدينية لإشباع رغبته في تفريغ شحناته العدوانية المريضة ضد الإنسان والبشرية وكل ما هو متمدن ومتحضر. ويستلم من يصدر صكوك النكران ثمنها باهظاً من أتباعه والمشاركين له في حب زرع الفتن والقتل والتدمير، والذين شجاعتهم لا تمدهم لا بفعل ذلك أو التصريح العلني بها، أي من القواعد من الخوارج. والذين دأبوا على جمع الأموال الطائلة لهم من تبرعات البسطاء والسذج وحتى من التجار الذين يريدون تحاشي شرهم.
وأورد هنا مثالا على أحد صكوك النكران والتي أصدرها صاحبها بكل جراءة ووقاحة بحق أحد رجالات دولتنا البارزين، صاحب السمو الملكي الأمير خالد الفيصل، أمير منطقة مكة المكرمة، حفظه الله. حيث يبدأ الصك .. بأنه من الصد عن سبيل الله، وظلم لأبناء المسلمين، ومنع الخير عنهم.. ونحن قد تعلمنا منذ البدايات في تحصيلنا التعليمي ما هو حكم من يصد عن سبيل الله. ويزيد الكهنوتي الظلامي إيغالاً في تفاصيل صك نكرانه الذي أصدره ضد صاحب السمو بـبأن القرار ضمن سلسلة من التغيرات الخطيرة التي بدأت بإحياء سوق عكاظ الجاهلي ... وإشاعة الاختلاط ، وتطبيعه بين الناس، ويمضي قائلا وقد استمعت إلى كلام خالد الفيصل في إحدى القنوات الفضائية الذي أظهر فيه موقفه العدائي من المناشط الدعوية.
هذه الغضبة الظلامية على سموه، أتت عندما أمر بتنفيذ قرار قد صدر من قيادات دولتنا الرشيدة العليا والمطالبة بسعودة حلقات تحفيظ القرآن الكريم! وذلك لكون حضور الدولة في أي مجال، يطرد منها كل مرتزق طامع أو ظلامي عابث، وهكذا أوجعتهم هذه الخطوة من سموه، كما أوجعتهم خطواته الموفقة السابقة، وخوفهم من أن تتلوها خطوات أخرى جادة وموفقة، لحماية مواطنينا وبلادنا وديننا من كل مرتزق بآيات الله وظلامي خبيث. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا وبإلحاح علينا، إذا كانت تصدر صكوك النكران بحق رمز من رموز الدولة وجهاراً نهاراً، فمن يا ترى يحمي المواطن الأعزل، أو غيره من شرورها؟ فهل يتم تفعيل أنظمة الدولة، على الأرض، بالسرعة والجدية التي يقوم بتفعيلها سمو أميرنا الشجاع خالد، قبل فوات الأوان؟