المجتهد لا يجوز له التقليد، ولا يجوز له مخالفة اجتهاده الذي رجحه، ولا يجوز له التحكم برأيه ولا مصادرة رأي غيره ولا الإلزام برأيه ولا إنكار رأي غيره ولا الإنكار على غيره
مقالي اليوم فرضه واقع رسمي وشعبي، حيث يتم أحياناً إلزام الناس بفتاوى في مسائل اجتهادية يسوغ فيها الخلاف وليست محل إجماع حقيقي، وهذا هو التحكم بالرأي والمصادرة لرأي الآخر، وهو محرم بالاتفاق، وعليه رأيت طرح هذا الموضوع ومعالجته شرعاً.
لا بد أن يكون المفتي، لاسيما في هذا العصر، مستوفياً لفقهين (الواقع والنص)، وجامعاً لخمسة من علوم الشريعة هن (الفقه وأصوله وقواعده ومقاصده وسياسته)، ومن لم يكن كذلك فلن يكون أهلاً للفتوى، سواء في الشأن العام أو حتى في الشأن الخاص.
وأما الفتوى وفق الشريعة فتكون في نوعين من حيث (مسائل الإجماع والخلاف)، ومن حيث (مسائل الشأن العام والخاص)، ومن حيث (المجتهد والمقلد)، ومن حيث (المفتي والحاكم)، ومن حيث (الإلزام وعدمه)، ومن حيث (الفتوى والقضاء)، ولا بد لنا من بيان هذه الأمور بوضوح حتى لا نغلط ولا يغالطنا أحد.
فمسائل الإجماع الحقيقي قليلة جداً وغالب مسائله غير ثابتة، وعليه فلا يجوز ادعاء الإجماع بلا دليل، وبالتالي فغالب مسائل الفقه محل خلاف ويجوز فيه تعدد الاجتهادات، فللمجتهد (بدرجات الاجتهاد الست) ترجيح ما يراه، ويترتب عليه أمران هما (واجبه بألا يتحكم ويلزم الناس به) و(حقه بألا يتم مصادرة رأيه)، بمعنى لا تصادر غيرك ولا يصادرك غيرك وكل يعمل ويفتي بترجيحه، ويصبح المجتهد بين الأجر والأجرين، فإن أصاب -في علم الله- فله أجران، هما أجر الاجتهاد وأجر الصواب، وإن أخطأ فله أجر واحد هو أجر الاجتهاد، ولكن لا نعلم في الدنيا جزماً من هو صاحب الأجر وصاحب الأجرين، وأما في مسائل الإجماع فلا يكون دور صاحب الفتوى إلا مجرد (التبليغ) بأنه كذلك، لكون الذين أجمعوا هم الذين أفتوا بذلك، لا المفتي الأخير الذي بلغ به فهو كاشف لا منشئ لرأي جديد باجتهاد، وعليه فيقال في المسائل المجمع عليها حق وصواب، ولكن لا يقال في المسائل الاجتهادية ذلك وإنما يقال راجح ومرجوح.
وأما من حيث كون الفتوى في شأن خاص أو عام فلا بد من التفريق بينهما، ففتاوى الشأن الخاص يختار المقلد مفتيها ويلتزم بها ديانة لأنه اختاره، وليس بأن يقوم المفتي بإلزامه بها، وأما فتوى الشأن العام فلا بد من مراعاة علم السياسة الشرعية، وأن تكون بموجب أمر من صاحب البيعة واجب السمع والطاعة سواء بموجب مرسوم لنص قانوني أو بموجب أمر مباشر، ففتاوى الشأن العام تصدر من مجلس هيئة كبار العلماء كمجلس استشاري للفتوى عند ولي الأمر ولا يجوز مخاطبة الهيئة للناس مباشرة بقرارها، وذلك مثل قرار المحكمة العليا بدخول رمضان، حيث إن المقرر هو الملك دون غيره، وله ترجيح ما يراه في المسائل الاجتهادية، سواء من فتوى الهيئة أو بعضها أو غيرها من الداخل أو الخارج، لا بصفته (مجتهداً فقهياً) وإنما بصفته (مجتهداً سياسياً) يدرك (الأصلح) للعباد والبلاد ويلزم به حتى المجتهدين المخالفين، حيث يلزمهم الامتثال عاملين بالمرجوح الذي يرونه، وذلك من باب دليل الاستحسان، إذ لا يمكن في الشأن العام إلا العمل بقول واحد ويلتزمه الجميع سمعاً وطاعة كتوسعة المسعى وغيره، وأما في الشأن الخاص كأسماء المواليد فلا يجوز إلزام الناس بفتاوى اجتهادية، سواء فردية رسمية أو جماعية رسمية أو غير رسمية، وكذلك عمل هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا يجوز لهم إلزام الناس في مسائل الخلاف في الشأن الخاص كصلاة الجماعة وتغطية الوجه ونحوهما، وأما الشأن العام كإغلاق المحلات للصلاة فهذا ملزم للإغلاق لأنه (شأن عام مقنن) وليس ملزماً لصلاة الجماعة بعد الإغلاق (لأنه شأن خاص اجتهادي)، ولا بد من عقد دورات لهم لبيان ذلك مع لزوم صدور اللائحة التنفيذية لتنظيم الهيئة، وهكذا فتاوى التبرع بالأعضاء وزراعة الرحم والاختلاط وبيع الزهور للمرضى (حيث حرمته اللجنة!)، وغيرها كثير من المسائل الاجتهادية الكثيرة مما يتم الإلزام به استبداداً.
وأما من حيث العلاقة بين المجتهد والمقلد، فالمجتهد لا يجوز له التقليد، ولا يجوز له مخالفة اجتهاده الذي رجحه، ولا يجوز له التحكم برأيه ولا مصادرة رأي غيره ولا الإلزام برأيه ولا إنكار رأي غيره ولا الإنكار على غيره، وأما المقلد فلا يجوز له أن يجتهد وهو غير مؤهل، وكذلك لا يجوز له أن يتنقل فيمن يقلده وإنما يلزمه اختيار مجتهد يقلده بكل ترجيحاته لكونه قرر بقلبه وذمته وفق علمه به أنه (الأعلم الأتقى) إلا إن كان يقلد في تخصص عالم هو أقدر من غيره، مثل أن يكون في مسائل العبادات فلان وفي المعاملات فلان وهكذا حسب تخصص كل مجتهد، ولا يجوز له حينما يختار مفتياً إلا أن يأخذ بقوله وليس بأن يتنقل بهواه وهذا يسمى (التلفيق) المحرم.
وأما أحكام (القضاء) فهي ملزمة لكون القاضي أخذ ولاية الإلزام بها من ولي الأمر صاحب البيعة الذي ولاه وأنابه عنه في ولاية القضاء، ولا يمكن الحياة بدون الإلزام بالقضاء بخلاف الفتوى التي يمكن الحياة بدون الإلزام بها وتعددها بل وتكون الحياة حرة اجتهادية بلا استبداد وكهنوت.