مصلحة الوطن في تكاتف التاجر مع المستهلك، خاصة في ظروف الاقتصاد الصعبة، كان التاجر القديم يقوم بدوره في الشراكة المجتمعية، لأنه إنسان يتلمس حاجات محيطه، اليوم لا يبدو أن الأمر كذلك
لا نعاني فقرا في الأنظمة، فالأنظمة موجودة بل الفقر في التطبيق، وكلنا يعلم ذلك، الجميل أن التشهير والعقوبات المالية دائما موجعة حتى لو حقق التاجر أضعاف أضعافها من رفع السلع، والدليل أنه بعد تطبيق عقوبات مالية على 3 من تجار الأرز لإبقائهم على الأسعار مرتفعة رغم انخفاض أسعارها عالميا منذ وقت طويل بدأ يظهر انخفاض في أسعار أطباق البيض وتفاوت؛ فبعد أن كان سعر طبق البيض قارب أو تجاوز في بعض الأحيان 17 ريالا تراجع بمقدار تجاوز الثلث حتى لامس 10.5 ريالات عند بعض الشركات! وكنا نحار في سر العروض التي قامت بها بعض شركات الدواجن لفترة محدودة ثم عادت إلى أسعارها القديمة، وكأنها كانت تجس نبض الوزارة والمستهلك حتى اطمأنت لما لم تجد من يحاسبها كما لم تجابه بمطالبة خفض الأسعار؛ فضلا عن غضب ومقاطعة تشبه ما يحدث لبعض السلع. أسعار الدجاج هذا الأسبوع بدأت تظهر بانخفاض واضح في التسعيرة على شكل عروض ومن شركات محددة ويجب أن نشكر الذي اختار السعر الأقل ليقدمه للزبائن كما عهدنا منه لعقود. الطريف هو أن أحد الظرفاء احتار قبل فترة في سبب ارتفاع سعر البيض وقال: يبدو أن الدجاجة تضع بيضها في أحد المستشفيات الأهلية المصنفة خدماتها بالخمس نجوم!
شكرا لوزارة التجارة؛ والواقع أن العبء عليها كبير جدا، لكن أيضا يجب أن نبادر بدعمها وننبهها لمن يستمتع باستغلال المواطنين في رفع الأسعار مع انخفاض ثمن البترول عالميا الذي خفض تكاليف النقل والحياة، وبالتالي يجب أن تنخفض الأسعار بشكل مقبول لا أن تزيد بلا حسيب أو رقيب! ومن فضول القول التذكير بأن ارتفاع المواد الغذائية الأولية يعني ارتفاع التكلفة على المواطن في كل مناحي الحياة، فالعامل بالبلد الذي ينفق كثيرا على طعامه سيقتطع الزيادة من غيره وتستمر القيمة المضافة بالتضخم على فواتير الحياة. لو كان المواطن واعيا لحاسب التاجر على زيادته غير المبررة. قبل أيام لاحظت الفرق بين قارورة زيت زيتون من نفس الشركة في سوقين مركزيين متقاربين الأول يبيع اللتر بـ20 والثاني بـ25 بفارق 5 ريالات، مع أن الثاني سوق مركزي قديم وأشبه بمحلات الجملة في تراكم بضائعه، لكن المستهلك متصالح مع رفعه أسعار السلع، ربما باعتبار ما كان عليه قبل 20 سنة أو لأنه لا يهتم وحسب ما دام الفارق الظاهري قليلا!
الأمر لا يتعلق بسلعة واحدة ولكن بزيادة على الربح المقبول وصلت إلى ربع سعر السلعة؛ لو طبقت في بقية المشتريات لوجدنا أن المستهلك يدفع زيادة تبلغ ربع ثمن مشترياته أو خمسها، وكان من الممكن توفيرها، وهي في مسألة الأرز تجاوزت الزيادة ووصلت للنصف.
عزيزي التاجر: المستهلك بحاجة إلى موقف أخلاقي، فهو إنسان مثلك يستحق الاحترام ويحتاج إلى أقصى استفادة من ماله، ومن حقك أن تربح ولكن الربح لا يمنعك من التفكير بمصلحة غيرك وهم الذين تقوم أرباحك على أموالهم.
التاجر لا ينقصه الوعي الذي ينقص المستهلك أحيانا، وأحايين كثيرة تنقصه المعلومة والوقت الكافي، إضافة إلى الوعي الاستهلاكي.
الاقتصاد عماد الحياة هو الذي حول صحاري البلاد النفطية لمناجم ذهبية وجعل منتجات العالم تغرق أسواقها، فيأتيها رزقها من كل مكان مزروعا أو مصنوعا، لكن التعاملات الرأسمالية ظالمة عندما تركز على تنامي الأرباح ولا تراعي المصلحة العامة. الواقع أن مصلحة الوطن في تكاتف التاجر مع المستهلك خاصة في ظروف الاقتصاد الصعبة، كان التاجر القديم يقوم بدوره في الشراكة المجتمعية لأنه إنسان يتلمس حاجات محيطه، اليوم لا يبدو أن الأمر كذلك، وربما كانت الحاجة ملحة لمتابعة الأسعار العالمية للسلع وتقرير أسعار عادلة للمنتجات، خاصة الضروريات، ولو أخذنا هذا العام موسم المطر الجيد والمراعي الصحراوية التي تحصدها المواشي ليست ملكا لتاجر الأغنام الذي لا يزال يبيع اللحوم بأسعار عالية، فماذا لو حددنا سقفا لا يتجاوزه التاجر لكل سلعة يعاد تقييمه بشكل دوري، والعودة إلى نشر وتشجيع أرخص السلع الجيدة التي تقدمها الأسواق وتداول بعضها لتوعية المستهلك بها وبمكانها، وإرغام المستغلين على ترك غلوائهم.
المستهلك ستتراكم عليه الديون، ومن طبائع الأمور أن يبحث عن دخل آخر أو أكثر، ولو وجد سيرهق بالعمل، ولو لم يجد سيرهقه الاستنزاف المالي الذي يعيشه في نمط الحياة التجاري الذي أصبح أكثر خطورة من ثقب الأوزون.
لا نملك حلولا سحرية لمشاكلنا الاقتصادية الشخصية والعامة؛ لكن الحلول الإنسانية أكثر تأثيرا من السحر.