رغم أنه لم تكد تمضي سوى أشهر معدودة على إنشاء مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية إلا أنه استطاع اكتساب سمعة متميزة، وذاع صيته في أوساط المنظمات الخيرية والإنسانية، بسبب الدور الكبير الذي قام به في مد يد العون لليمنيين، الذين تضرروا من الحرب العبثية التي أشعلتها ميليشيات الحوثيين الانقلابية وأتباع المخلوع، علي عبدالله صالح.
ومع أن المركز بدأ دوره محصورا على مد يد العون للأشقاء في اليمن، بسبب الأزمة الإنسانية الكبيرة التي يعانون منها، إلا أن مجال عمله الذي حدده قرار إنشائه، شامل وكبير، ويهدف إلى مساعدة المحتاجين، ومد يد العون للضعفاء في كل أنحاء العالم، دون أي اعتبارات، غير الإنسانية المحضة. وهو ما يترجم سياسة المملكة العربية السعودية منذ إنشائها على يد الملك عبدالعزيز آل سعود -رحمه الله- بفصل الأعمال الإنسانية عن كل اعتبارات، وتوجيهها لكل من يحتاج إليها، بغض النظر عن دينه وجنسه ومذهبه وعرقه. وتم ترجمة هذا المبدأ العظيم حقيقة على أرض الواقع، عندما أرسل المركز -أواسط الشهر الماضي– قافلة تحمل مئات الأطنان من المساعدات الغذائية والدوائية للمدنيين في محافظة صعدة اليمنية، معقل زعيم التمرد عبدالملك الحوثي، فداوت جراحهم، وواست ضعيفهم، وأسعدت كبيرهم، تلك المدينة التي اختطفت قرارها عصابة مليشاوية بنفس الطريقة التي حاولت من خلالها العصابة ذاتها اختطاف السيادة اليمنية قاطبة في عمل إجرامي انقلابي عبثي بحق الشعب اليمني العظيم.
ولم يتردد القائمون على أمر المركز في مد يد العون لصعدة، رغم ما ذكرناه، لسبب بسيط، وهو أنهم يتبعون فلسفة خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبدالعزيز، الذي سار بدوره على نهج أسلافه من الملوك السعوديين، الذين يميزون بين المدنيين والمعتدين، ولا يأخذون البريء بجريرة المجرم، ولا يؤاخذون المسالم بأخطاء المعتدي، ولا يترددون في مد يد العون إلى المخالف، ما دام مدنيا ضعيفا بحاجة إلى العون والمساعدة، وتلك هي أخلاق الإسلام الحقيقية، منذ تأسيس المملكة، فلا تكاد توجد دولة إلا وللمملكة فيها أياد بيضاء، تشير بوضوح إلى عظمة الإسلام الذي أنزله الله تعالى، وأرسل به رسوله محمد، صلى الله عليه وسلم، رحمة للعالمين.
تكتسب الدول مكانتها في العالم الحديث بمقدار إسهامها في محيطها الإقليمي والدولي، وما تقدمه لأجل دعم الدول الأقل نموا والأكثر حاجة. ولأن قدر المملكة أن تكون رائدة وقائدة للعالمين العربي والإسلامي، فقد أدرك حكامها هذه الحقيقة منذ وقت مبكر، وأيقنوا أن الدولة التي ولدت على أرض الإسلام، وتحتضن الحرمين الشريفين، ينبغي لها أن تكون واحة لكل مظلوم، ومقصدا لكل محتاج، وقبلة للسائلين، كما هي قبلة للمسلمين، فقامت سياستها على هذا المبدأ الأصيل، ففتحت أبوابها لطالبي العمل والباحثين عن اللقمة الحلال، وكفلت لهم حقوقهم، ومنعت الاعتداء عليهم ولم تكتف بذلك، بل واصلت دعمها وتقديم أياديها البيضاء الخيرة، وساعدت كافة الدول الصديقة والشقيقة، وحتى المتربصون وصلهم عطاءها عندما كانوا بحاجة إليه، ولا ننسى أن المملكة كانت أول من هب لنجدة الإيرانيين عندما هز زلزال عنيف مدينة بام، أقصى جنوب البلاد، عام 2003، وأودى بحياة 27 ألف شخص، فسيَّرت المملكة جسرا جويا فور وقوع الزلزال، وقدمت المساعدات الغذائية والدوائية ومواد الإيواء، ولم تدخر جهدا في سبيل مساعدة السكان الأبرياء، لسبب جوهري وحيد، هو أنهم بشر في حاجة للمساعدة.
ومع تنوع أساليب العمل الإغاثي وتطور أدواته، استحدث مركز الملك سلمان العديد من الأساليب لزيادة تأثير المساعدات الإنسانية، ومضاعفة مفعولها، فلم يعد العمل الخيري مجرد قوافل من السيارات المليئة بالأغذية والأدوية. فمع انتشار آفة الإرهاب، بات من الضروري مراقبة مواعين العمل الإنساني، لأن لأشرار قد يستغلون تلك المساعدات لتمويل أعمالهم الشيطانية، أو ربما تقع في أيدي عصابات إجرامية أو تصير هدفا لمافيا الفساد المنتشرة في جميع أنحاء العالم، ففي اليمن استعان المركز بالعديد من المنظمات الخيرية والجمعيات الطوعية ذات السمعة الحسنة، المعتمدة من الحكومة الشرعية، واستعانت بها لإيصال تلك المساعدات لمستحقيها، كما انتشر عناصر المركز ومنسوبوه للتأكد من تحقق ذلك. وفي حالات كثيرة لجأ المركز كذلك إلى شراء المساعدات الإنسانية من داخل اليمن، في خطوة تهدف لإنعاش التجارة الداخلية، وتحريك الاقتصاد الراكد، والاستعانة بيمنيين لتغليفها وتحميلها، لأجل مساعدة هؤلاء على إيجاد مصدر رزق. ولم يترك المركز أمر توزيع المواد الإغاثية للآخرين، دون التأكد من وصوله للمحتاجين، فاستعان بالإحصائيات الموثوقة التي توضح حجم الأضرار التي حدثت في المدن والقرى والأحياء، وبناء عليها يتم تحديد كميات المساعدات لكل منطقة.
كل هذا وذاك يوضح حقيقة ناصعة، يراها كل صاحب بصر وبصيرة، ويدركها أصحاب الفطرة السليمة والعقل المفتوح، هي أن المملكة ما استحقت لقب مملكة الإنسانية إلا لأن الرحمة مبدأ أصيل مغروس في قلوب قادتها وشعبها.