الوعي بالشيء يجعلك أكثر تقبلا له، حتى وإن كان في بداية حدوثه صادما، إلا أنك ومن منطلق المعرفة السابقة ستراجع فهمك، مكتشفا تلك التفاصيل الصغيرة التي خفيت عنك وأنت في حالة استثارة وغضب لحدوث أمر يلامس حياتك بشكل دقيق، فيغير فيها ما لا تطيق تحمله، وهذا قد يكون حالنا لو كنا نعي التفاصيل الصغيرة في علم الاقتصاد الذي يتحكم في عالمنا اليوم، ويقلبه في الدقيقة الواحدة عشرات المرات، وأقصى فهمنا فيه ارتفاع سعر برميل النفط أو انخفاضه، وتغير مؤشر التداول من أخضر إلى أحمر، وهنا حصول النكبة والانحدار اللذين يربكان المستثمر، إن لم يُذهبا عقله، ونتيجة هذا الجهل أو المعرفة البسيطة بخبايا أسواق المال حدثت كوارث حقيقية، كان يمكن أن تكون أخف وطأة لو سبق الأمر بدراسة وفهم عميقين.
والآن، وعالم الاقتصاد هو المتحكم، والضرورة تحتم علينا دخول معتركه، شئنا أم أبينا، فلزاما علينا الوعي بالمرحلة، وتفهم تغيراتها لنستطيع التحرك معها بما يضمن لنا عيشا مستقرا يمتص الصدمات، ويبحث عن حلول لمشكلاته لأن تكرارها لا يتواءم وعالمنا الذي يعتمد الرتم السريع في تعاملاته اقتصادية كانت أو سياسية، ومن تَخلف عن ركوب الموجة فسيغرق دون أن يجد منقذا. والمسؤولون في الوطن فطنوا إلى ذلك الحراك، فجاءت قراراتهم مواكبة له، وإن فوجئنا بالتغيير وارتعبنا لاستقرارنا الدائم، وبعدنا ربما عن الاهتزازات الاقتصادية التي ضربت العالم في فترات متلاحقة، شملنا شيء من ضررها، ولا شك، لكن مع الأسف عدم الفهم والدراية جعل البعض يعود إلى تكرار الأخطاء والمغامرات نفسيهما، ليحصد خسائر مضاعفة.
خطة التحول الاقتصادي، والتي أُعلن عن بنودها مؤخرا، هي أولى درجات السلم للوصول إلى الوعي الاقتصادي الذي يمكن أن ننتقل به إلى مجتمع متوازن، يبحث عن الفرص بوعي دون النظر إلى تحقيق الكسب السريع الذي يحصل عليه من مغامرة غير مدروسة أو مشروع استثماري سمع أن صديقه أو جاره أقامه وجنى منه ربحا وفير، وهذه هي القاعدة المعروفة لدينا عند التفكير في القيام بأي مشروع ، لكن إستراتيجية هذا التفكير لا بد أن تتطور مع بقاء الطموح الذي سيكون المحرك للوصول إلى الهدف مهما كان الطريق وعرا أومتعرجا، فهناك نقطة وصول وإن طال بنا المسير.