قدم الشاعر الأديب حسين سرحان 1334 - 1413، قبل أكثر من 50 عاما رؤية بانورامية لتحولات النفط في السعودية، معززا ذلك بوصف سردي عن جغرافية شمال وشرق مكة المكرمة، وواقعها الاقتصادي، قبل أكثر من 90 عاما، أو ما قاله، حسب تعبيره قبل أن نحيط علما بشيء تعددت أسماؤه من بنزين إلى بترول إلى نفط... إلى ما نقرأه في الكتب والصحف، أو يبلغ أسماعنا من بعيد .
حركة السوق
كان من أروع المشاهد في رؤية سرحان التي طرحها في مقالة صحفية له نشرت في عام 1960 بمجلة الجزيرة في جمادى الآخرة، 1380 تصويره سوق الإبل والغنم في مكة المكرمة في تلك الحقبة التي سبقت عصر النفط، قائلا: في الصباح الباكر وفي الضحى وقبل الظهر، وبعده، والعصر، وما بعده إلى ما بعد المغرب، كنت أيها الرجل لا ترى إلا حملات أهل القصيم والوشم والعارض وغيرهم، فقد ترى كل يوم في البكور أو في الأصيل، عشرات تتلوها عشرات من الإبل تحمل الطاف الزل -السجاجيد- العربي، ثم الفارسي في مختلف أنواعه، ثم تجد شكول المشالح -البشوت- من كويتية إلى أحسائية وغيرها من -أبو شهر- أمثال أبو يدى الدورق، والبزوني، والمطلق، والطلاع، والبدوي، والشمالي، والحساوي من خفاف وثقال، مع العبي -جمع عباءة- وهي التي تسمى سعدونية، وقد اختلط أبيضها بأسودها.
جلب الأصائل إلى مكة
تابع سرحان مضيفا في وصف دقيق لآلية وتفاصيل تجارة سوق المواشي: في نفس اليوم -والنفس يلهث- فهذه حملة أكثر من مئة من الإبل عليها روايا السمن البري الأصيل، كل راوية لا يحمل منها الجمل أكثر من اثنتين، وفيما عداها ينهض بنحو أربع.. وبينما نحن كذلك في غاية الرخاء والدهشة من هذه النعمة المتواترة إذا نحن بقطعان الغنم العربية -لا السواكيت ولا البربرية- هذه غنم نجد، وتسمى النجد ألوانها سود، وفي عظم خلقتها، ما يشبه أن تكون عجولا هولندية، ثم بعدها بقليل هذه قطعان بالمئات من غنم الحرة، ثم هذه غنم الجنوب من شهرانية وميدية ورفيدية. ثم هذه الخيل الأصائل تجلب إلى مكة من بنات الحمداني والصويتي والصقلاوي إلى آخر ما هنالك في أنساب الخيول العراب الأصائل. وتلحق بتلكم قافلة في غاية الفراهة من الحمير الأحساء البيض العتاق التي تشبه الخيول في كثير من سماتها وثباتها وسبقها.
رسوم الإبل
سرحان، روى الحكاية في مقالته، مبتدئا بنى والدي علي بن سرحان -يرحمه الله- داره بالمعابدة في موقع الحديقة التي تجاور القصر الملكي شمالا بشرق مكة. لقد بناها عام 1331. في قريب من تلك السنين أمر إمام المسلمين جلالة الملك الراحل عبدالعزيز، تغمده الله برحمته وأجزل مثوبته، جهة مختصة فوكلت رسوم الإبل والبغال والخيل والحمير والسمن إلى والدي -يرحمه الله- تعهدا يتسلم به ثم يحاسب تلك الجهة المختصة يوميا أو أسبوعيا أو شهريا.
الدوافير
حين استطرد سرحان في مقالته، رسم دوائر سريعة، كثفت جوانب تربوية، وجغرافية واقتصادية لما كانت عليه العاصمة المقدسة في تلك الحقبة قائلا: في تلكم السنين التي أصبحت عشراتها عندي تعادل المئين كنت أقوم بخدمة والدي في ماقفة يعني سوق الإبل، وكان يتوسط الشارع الممتد من الجعفرية، وينتهي في ريع الحجون، وكان يكتظ أيما اكتظاظ، ولكنا مع هذا الازدحام الفائق المثال على غاية الطمأنينة، فما كان هناك شيء اسمه سيارات.. فأما ما يسمى بنزينا فلا نعرفه، وأما الكاز فنوقده في فوانيسنا وأتاريكنا ودوافيرنا وما إليها، وبعد ذلك فلم يكن ليهمنا أي اهتمام.
نعمة
يثير الانتباه في مقالة سرحان التي يبدو أنها جاءت ردا على استفتاء صحفي، تساؤلات مهمة أثارها قبل أكثر من نصف قرن قائلا للمحرر: ألسنا اليوم نستورد كل شيء من الخارج.. حتى الأشياء التي اشتهرنا بتصديرها..؟ حتى الضروريات من لباب المعيشة..؟ وعليك أنت أو على القارئ أن يجيب عن السؤال، بلا داع إلى تعسف أو استعجال. دع استفتاءك جانبا يا سيدي، وخذ معك القراء لترجعوا إلى قراءة المقال من أوله، ولتعرفوا من بعد ذلك أن ما حدث بعد كل هذا.. إن كان نقمة فهو من عند أنفسنا، وإن كان نعمة.. فهو نعمة لأفراد معدودين، لا تقاس أصفارهم بالملايين.
فأما ما يسمى بنزينا فلا نعرفه، وأما الكاز فنوقده في فوانيسنا وأتاريكنا ودوافيرنا وما إليها، وبعد ذلك فلم يكن ليهمنا أي اهتمام.
المقال كان إجابة عن سؤال طرحته مجلة الجزيرة ونصه: هل استفدنا من اكتشاف الزيت في بلادنا أم لا؟ وهل هو نعمة أنعم بها علينا الله أم بضد ذلك؟، نشره عبدالله بن خميس، في كتابه بلادنا والزيت، ويضم الكتاب إجابات الكتّاب الذين أجابوا عن الاستفتاء، وعددهم ستة وعشرون، وحملت إجابة السرحان في الكتاب عنوان: إن كان نقمة فهو من عند أنفسنا.