لا بد من محاكمة أصحاب الفتاوى المضللة، فهم أحق من غيرهم بالعقاب والقصاص، بسبب فتاواهم التي راح ضحاياها الكثير من الشباب الغض، واستشهد بسببها عدد من أبناء الوطن الميامين الأبرار
قامت الدولة السعودية منذ تأسيسها على قاعدتين أساسيتين، هما العدل والأمن، وهو المبدأ الذي اهتم به الملك المؤسس عبدالعزيز آل سعود، رحمه الله، فتحققت في هذه البلاد المباركة مستويات من الأمن لا توجد حتى في أكثر الدول تقدما، وبات الحجاج والزوار عندما يعودون إلى بلدانهم يتحدثون عن متاجر مكة المكرمة والمدينة المنورة التي يتركها أصحابها شبه مفتوحة ويذهبون لأداء الصلاة، دون خوف من تعرضها للسرقة. لذلك استطاعت هذه الدولة في وقت قياسي النهوض وتحقيق قدر من التنمية والتطور والعمران، ربما لم يكن يخطر على أفئدة أكثر المتفائلين، وباتت قبلة للمستثمرين، وواحة للمسلمين، ومقصدا لطالبي العمل والباحثين عن الرزق الحلال.
أدرك أعداء البلاد، على اختلافهم، هذه الحقيقة، وعلموا أن هذه الدولة يحرسها رجال آمنوا بربهم فزادهم هدى، تسهر أعينهم لينام غيرهم في أمن واستقرار، لذلك سعوا إلى إضعافها عبر إعلان الحرب على رجال الأمن، واستهدافهم بالتحريض تارة وبالقتل تارة أخرى، وطفقوا يكيلون لهم التهم، وانهمك مفتو الضلال الذين ادعوا العلم الشرعي في تأويل الآيات على غير معانيها، وتحريف الأحاديث النبوية في غير محلها واجتزائها من سياقها الطبيعي، بحثا عن المشتبهات والشبهات، ليحرضوا الأحداث وصغار السن، الجاهلين بأحكام الدين على استهداف حماة الوطن، استغلالا لعاطفة دينية لم يتم ترشيدها على الوجه الصحيح، ولم تجد من يستغلها لما فيه مصلحة الدين والوطن. وشهد مجتمعنا في الفترة الأخيرة عدة حوادث استهدفت رجال الأمن، وقد يبدو هذا في نظر البعض له ما يبرره، كون هؤلاء المرابطين هم حائط الصد الأول الذي يحمي الوطن، ويصون حياة المواطنين والمقيمين الآمنين، ويفشلون خطط أدعياء الفتنة وحملة لواء الضلال، إلا أن ما يدفع على الحيرة ويبعث على التساؤل هو ما حدث خلال الفترة الماضية من استشهاد رجل الأمن بدر الرشيدي في القصيم على أيدي مجموعة من أبناء عمومته، الذين ابتلوا بالفكر الداعشي المتطرف، بعد أن استدرجوه إلى أحد المواقع المنقطعة، وقتلوه غيلة، ولم يكتفوا بذلك، بل نشروا جريمتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، واعترفوا بها، وتباهوا، في لحظة غابت فيها القيم والأخلاق والعقول، وكان الشيطان هو الحاضر الوحيد. لم توقفهم عن جريمتهم صلة القرابة التي تربطهم بالشهيد، ولم يردعهم قول الله تعالى: من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ولم يذعنوا لقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: لو أنّ أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار.
ولأن المنطق والعقل يفترضان أن لكل فعل غاية تساويه وتماثله، فإن أسئلة كثيرة ترتفع وتبحث عن إجابات شافية، فإن مقتل رجل أمن -رغم بشاعته وسوئه- لا يعني أن الأمن في هذه البلاد قد انهار، أو أن الفرصة أصبحت مواتية لذوي الفكر الشاذ لتنفيذ مخططاتهم، فهذه البلاد يحفظها الله سبحانه وتعالى، وسوف تظل بإذنه آمنة مستقرة، تسليما لقوله عز وجل: الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف، لذلك فإن أول الأسئلة هي ما الذي يدفع 6 شباب، أحدهم طبيب، مهمته صون الحياة وليس تصدير الموت، إلى اقتراف مثل هذا الجرم البشع، ومن ثم التباهي به والاعتراف علنا وطواعية، وتصوير جريمتهم المنكرة وبثها على مواقع التواصل الاجتماعي، لاسيما أنهم يعلمون يقينا أنهم سيقعون بأيدي الجهات العدلية التي ستقيم فيهم شرع الله؟! ما هو المكسب الذي يدفع ستة شباب لتقديم حياتهم ثمنا له؟! ما ذنب الشهيد الرشيدي وإخوته من رجال الأمن حتى تمتد إليهم أيدي الغدر والعمالة وسوء التفكير؟ هل لأنهم وهبوا أنفسهم دفاعا عن دينهم ووطنهم، ورغبة في توفير الأمن؟ والسؤال البديهي هو: من أين أتى هؤلاء؟ وهل نشؤوا بيننا وتشربوا تقاليد مجتمعنا؟ أم أنهم نبت شيطاني غريب نبت فجأة دون جذور أو ارتباط بواقعنا الذي يصون صلة القرابة، ويدفعنا لتقديم العون لابن العم مثلما نقدمه للأخ الشقيق؟
أيا كانت الإجابات، فإن الحقيقة التي يسطع نورها بجلاء هي أن أولئك المغرر بهم يعيشون في غيبوبة، بعد أن ارتضوا تغييب عقولهم ورهن إراداتهم لآخرين، تولوا التفكير نيابة عنهم، وباتوا يصدرون الأوامر والتعليمات، ويقررون الصحيح من الخطأ دون أن يسمحوا لغيرهم بمجرد المناقشة أو المراجعة، وكأنهم احتكروا لأنفسهم الحكمة أو اختصوا بالحقيقة، وكل هذا منهم براء.
لذلك نضم صوتنا إلى أصوات المنادين بمحاكمة رموز الفتنة، وأصحاب الفتاوى المضللة، وتقديمهم إلى منصات العدالة والقضاء، لينالوا جزاء ما ارتكبوه من جرائم بحق الوطن وأبنائه، فهم أحق من غيرهم بالعقاب والقصاص، بسبب فتاواهم التي راح ضحاياها الكثير من الشباب الغض، واستشهد بسببها عدد من أبناء الوطن الميامين الأبرار، لا لذنب جنوه سوى أنهم اختاروا تقديم أنفسهم فداء لأرض الحرمين. فخطورة أفعال هؤلاء الضالين المضلين تتمثل في أنهم يلبسون الفتاوى الضالة التي يصدرونها ثوب الإسلام، ويزعمون أنها تمثل صحيح الفقه، بينما هم في الواقع صدى لأصوات شيطانية تنبع من دواخلهم الشريرة، التي ما عرفت تقوى الله، ولم تتذوق حلاوة الإسلام، الذي صان النفس البشرية وأعلى من شأنها، بغض النظر عن دين صاحبها وجنسه وعرقه، فالله تعالى يقول: ولقد كرمنا بني آدم، فما بالك بالمؤمنين الذين يحملون في جوانحهم كل الخير، ويشهدون على ألوهية رب العالمين، وتنطق ألسنتهم بأصدق شهادة عرفها تاريخ البشرية.
نكرر أن على الجهات المختصة توجيه جهودها للقضاء على رأس الأفعى، واجتثاث أس البلاء، قبل فروعه، فهؤلاء الشباب رغم إجرامهم إلا أنهم أجساد بلا عقول، ولا محتوى، استخفهم رموز الفتنة فأطاعوهم، وزينوا لهم المنكر فاتبعوهم، بغير هدى ولا بصيرة، ولا ينبغي أن تأخذنا بهم رأفة، ولا شفقة، فكم من بيت فقد عائله بسببهم، وكم من طفل تيتم نتيجة أفعالهم، وكم من شاب دفع حياته ثمنا لفتوى ضالة أطلقها أحدهم تحقيقا لأهداف أبعد ما تكون عن الحق والصواب.