ما زال البعض يطرح ذلك التساؤل القديم والمتباينة إجابته بتباين درجة الوعي والوسطية بين أفراد المجتمع، وهو: كيف نرسخ قيم التسامح والتعايش وتقبل الاختلاف؟ والحقيقة تنطق أن الإجابة معروفة غير أن خطوات تفعيلها تحتاج لبعض الشجاعة ليس في مواجهة المغالين فحسب، وإنما في مواجهة النفس أيضا لمعرفة المثير الخفي وراء حملها ثقل الكراهية، وهل له دوافع عميقة في اللاوعي تراكمت إثر معاملة قاسية؟ أو ظلم تعرضت له في فترة من حياتها؟ لذلك هي تعيد ممارسته على فئات أخرى دون وعي منها، وهذا الافتراض يقول به علماء النفس إن من تعرض للأذى في مرحلة عمرية قد يرتكب نفس الفعل مستقبلا إن لم تتم معالجة تلك الترسبات بوقت كاف، ويمكن لنا القول إن من يمارس الظلم أو يتعامل بعدوانية مع الغير يعاني اضطرابا نفسيا يصل إلى المرض، وهذا يفسر مغالاة البعض في الأذية لأشخاص لا تربطه بهم علاقة ولا حتى معرفة، غير أنه يغلظ في العقاب إن كان باللسان أو اليد في حال تمكن منهم لتطبيق عقوبة وكّل بتنفيذها في حال ارتكبوا سلوكا ما حتى ولو كان بسيطا جدا.
فئة من هؤلاء تجد مشكلة في مسألة استقلالية الرأي والمشاعر، فهو يفضل التبعية خوفا من سطوة الآخر أو الشك في أن فكرته لا تحظى منهم بالتزكية أو المباركة، لذلك هو يفضل الانضواء تحت ظل الأكثرية حتى لا يقابل بالنفي والتهم التي قد تلصق به واعتباره شاذا في رأيه عن جماعته، وهذا نلاحظه في تعاملات البعض المتحولة تبعا للزمان والمكان والأشخاص المتواجدين معه، فتارة تراه ودودا متسامحا يشارك مع محيطه في كل ما يطرح، وفترات أخرى ينقلب المزاج ليتجاهل وجود الأصدقاء ويبالغ في فعل سلوكيات لم تعتد منه، وعندما يبحث عن السبب نجد أن هناك عنصرا غريبا انضم للفريق تبدو عليه مظاهر الاختلاف، وهذا السلوك يدخل في باب النفاق والحب والبغض لأجل مصلحة، وذلك الشائع مع الأسف، وهذا من العوامل التي لا تشجع على شيوع نهج التسامح والتعايش، لأن الأسباب في الأصل غير واضحة والأهواء هي من تحدد منهجية البعض، إضافة إلى الخوف المكتسب من إرهابك أن ما تفعله خطأ لذلك، فجلد الذات واضح وعدم التسامح معها أيضا واضح، لأنها قد تدلك على طريق سويٍّ غير أن الشك يسيطر عليك، فتتراجع قامعا لمشاعر الحب والألفة في داخلك، وعلاج هذا الأمر بالتحرر من تبعية البعض والعيش بمبدأ السلام الداخلي والإنسانية الحقة فيك، والتي تعطي للجميع الحق في العيش والتعايش سواسية.
Fatima.t@alwatan.com.sa