يفي للوطن من يثق به.. يرى مستقبله الواعد بالمزيد من الخير.. ولا يفي للوطن من يشكك بقدرات صغاره فضلا عن كباره. حمى الله وطنا الحزم عاصفته، والأمل وعده، والشمال رعده

(ويـا بـلاداً نـذرت العمر.. زَهرتَه لعزّها!... دُمتِ!... إني حان إبحاري
تـركتُ بـين رمـال الـبيد أغنيتي وعـند شـاطئكِ المسحورِ. أسماري
وإن مـضيتُ.. فـقولي: لم يكن بَطَلاً وكـان طـفلي.. ومحبوبي.. وقيثاري)
غازي القصيبي
في كل عدد من صحيفتنا الوطن ستقرأ رسالة من أحد أبناء المرابطين لوالده تشعرك بالحيرة لتسأل: من يقف مع الوطن هذا المرابط على الحدود، أم هذا الابن الذي أدرك رسالته في دعم أبيه وكتبها، أم أنها الصحيفة التي تحمل الوطن اسما على مسمى وتنقل مشاعر الابن للأب وتصورها لنتصور أي وطن عظيم هو بأطفاله ورجاله. أم أن عظمته في كل مشاعرك المختلطة بين حب وخوف على المرابطين وتعاطف مع قلوب الصغار الغضة التي صاغتها قوانين الولاء لأرض اختارتها السماء لحمل أعظم رسالة. يكبر الصغار بأعيننا ونطبع على جبين طفولتهم قبلة تعد بليال وادعة أكثر عندما يعود الغائبون من الجبهة؛ وأحلام الصغار تسبقنا للمستقبل ويكون حلمهم أن يحملوا أمانة الوطن كما فعل أسلافهم. لا أجمل من وطن يحميك وتحميه من المهد للحد إلا أن تدرك أن ما تقدمه له شيء لا يذكر لأن الأرض التي تدافع عنها سكنها تاريخك؛ رفات أجدادك الذين تتباهى بانتسابك إليهم؛ كما ستكون سكنا لامتدادك وامتداد الأحباب من حولك.
أرض للحب وحب للأرض يتجدد كلما تجدد الخوف عليه.. معزوفة ولاء لا تتوقف؛ ومطر للحياة لا يكف حتى تفوح نباتات الأرض بعطر دماء الشباب التي تنبت أزهار هذا الربيع لأرض لم تجدب يوما من أبنائها.
الوطن ليس أرضا نحلم بها؛ بل أرض نعيش الحلم عليها.. تقسو في بردها فنتذكر شمسها لندفأ؛ ونتناسى طقس حرارتها وننتظر أن تعود نسمات الشتاء لتمحو خطايا الصيف.
لو كان الوطن قصيدة لكان الوفاء له بحرها؛ ولو كان الوطن صحراء فالفداء روضتها؛ ولو كان الوطن أمنية فأحلام العودة حياتها. أن تعطي للوطن فلن يقبل أحد منك منّا فلم يمن الوطن ولو فعل فلا يليق أن تقارن ما تعطيه له بما أعطاه لك. الذين يعتقدون أنهم يخدمون الوطن ببناء قصور من خيالاتهم المريضة كمن يطلب الأجر من الله على عمل الآخرين ويترك العبادة والذكر لهم ويتخيل أطنانا من الحسنات بميزان عقله البليد! رحل الأمير سعود الفيصل شبل من أسد من عرين أسود. وفي المؤتمر القريب عنه غدا سيقال غيض من فيض هذا الرجل الذي شب وشاب ومات بأعين وطن لن ينسى مواقفه التي حملت الوطن لغة جريئة لا تقبل التواري خلف زيف الكلام أو المواقف. في مسك لقاء (مغردون) وفي اجتماع وزراء الخارجية لدول الخليج الذي تابعناه كان جواب وزير الخارجية الإماراتي الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان على تغريدة ندم أنه لم يكتبها قال: (عودة للأمير سعود ندمت أني لم أكتب تغريدة في حقه وهو حي) تمنيه أنه كتب عن سعود الفيصل في حياته. هذه الأمنية تكفي لأن نعرف الحب بين رجلين عظيمين أو لنقل رجل حي الوفاء لرجل عاش حياته وفاء لكل أوطان العرب..
التلاحم بين المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات يستحضر في ذهني يد الراحل خالد بن عبدالعزيز تمسك بيد الراحل زايد آل نهيان وأحاديثهما التلقائية في كل مناسبة يلتقيان فيها وكان حديث الإخوة. بل كل لقاء خليجي على كل المستويات يفوح عطرا كما فاح مسكا في لقاء وزراء خارجية دول مجلس التعاون؛ مسك وشائج تظهر ومواقف تتمثل في إخوة بيت واحد اسمه دول الخليج العربي. فاح مسك بلقاء الشباب بين وزراء خارجية دول الخليج بشباب يقترب سنهم منهم يحدثونك أن الخليج شباب وحب لا يشاب.
في وطننا تزين ضفائر الصغيرات الحالمات أكف الأمهات التي ترتفع بأطيب الدعوات؛ وفي الوطن تحمل دموع الشيوخ التي تروي قبور الشهداء آخر رسالة من رسائل الحياة أن الأوطان العظيمة لا تموت. في الوطن شاب شعرنا ونحن نصدق شعارات أصحاب المصالح ونقف وطنا يسطر كل معاني الحكمة والرجولة والوفاء لأشقاء الدين والعروبة.
الوطن ملك الله يأتمننا عليها وبقدر ما نحافظ عليه تكون إنسانيتنا وبقدر ما تتسع دائرة مصالح طامع بقدر ما تضيق دائرة وطنه في روحه وعقله.
يفي للوطن من يثق به.. يرى مستقبله الواعد بالمزيد من الخير.. ولا يفي للوطن من يشكك بقدرات صغاره فضلا عن كباره. حمى الله وطنا الحزم عاصفته، والأمل وعده، والشمال رعده، والصبر على كل ما مر به من أهوال على مدى تاريخه قدره، وسلمان ملكه.