أميركا التي نعرفها كانت حليفة لمصالحها، وستبقى حليفة لمصالحها فقط، فحيث المصلحة تكون أميركا، ولا نتوهم غير ذلك، وتبقى الإرادة السياسية الناجحة هي من تربط مصالح الآخرين بها وإليها، فهل بقي من أميركا شيء يستحق الذكر؟
يقول محمود درويش في وصيته لشاعر شاب: لا وصية في الحب لكنها التجربة، لا وصية في الشعر لكنها الموهبة، وتلك حقيقة يجب أن يعيها كل شاب على مستواه الفردي، لكن من حقنا أن نقول على مستوى الشعوب: لا وصية في التنمية المستدامة لكنها الإرادة، لا وصية في الدولة الحديثة لكنها المواطن، ولن يبقى لنا وراء ذلك ما بين التنمية كإرادة والدولة كمواطن سوى وصية زهير بن أبي سلمى قبل ألف عام: ومن لم يصانع في أمور كثيرة، يضرَّس بأنياب ويوطأ بمنسم.
أميركا بعد حادثة الحادي عشر من سبتمبر طرحت على نفسها العديد من الأسئلة، كان أهمها لماذا يكرهوننا رغم أننا نقدم المساعدة دائما لدول العالم، ورغم أننا لا نبخل بالمعونات اللوجيستية بكل أنواعها على أصدقائنا وصولا للمعونة العسكرية المباشرة، فكان السؤال القديم الجديد: لماذا يكرهوننا؟ وتفاوتت الإجابات، ما بين إجابة نرجسية ـ تقع بعض الحكومات في مثل نرجسيتها ـ تقول: نحن محسودون على نظامنا ومبادئنا، ومحسودون على عظمتنا الاقتصادية ونفوذنا المنفرد بالعالم، وما بين أقلية تزعمها اليسار الأميركي يطرح الحقائق الفاقعة في وجه الشعب الأميركي، عن قيادة سياسية لم تترك قلبا عربيا أو مسلما إلا وتركت بداخله جرحا ينزف منذ الصمت المطبق على الانتهاكات الإنسانية للصهيونية على الأرض الفلسطينية، مرورا بعطش مصانعها الحربية للعمل على حساب أجسادنا تحيلها جثثا، فكل ذخائر أميركا من الرصاصة وصولا للصاروخ كان ميدانها خلال نصف قرن هي الأرض الإسلامية من أفغانستان وصولا إلى ليبيا، عدا لعبة بائع الشنطة المتنقل يشعل حربا ليبيع على أطرافها بنفس السعر ونفس الفائدة، فمن ينسى إيران جيت، عدا أنها تمارس نشر غسل الآخرين لبقعة دم في أطراف ثيابهم، وتنسى ثيابها المنقوعة بدماء الملايين.
أميركا التي نعرفها كانت حليفة لمصالحها، وستبقى حليفة لمصالحها فقط، فحيث المصلحة تكون أميركا، ولا نتوهم غير ذلك، وتبقى الإرادة السياسية الناجحة هي من تربط مصالح الآخرين بها وإليها، فهل بقي من أميركا شيء يستحق الذكر؟ أميركا عاصمة الغرب، وتبقى الصين وروسيا وفي إثرهما الهند عواصم الشرق القديم، ومن حق شرقنا العربي أن يفخر بعواصمه مهما حصل، الحرب العالمية الثانية كانت تضرب قنابلها من موسكو إلى لندن وجحيمها في برلين، وها هي الآن أكثر وعيا بمعنى الإنسان، ويكفي عواصمنا العربية ما نالها من تعب، فهل مذبح الوعي الإنساني في شرقنا العربي يحتاج أكثر من هذا، أم أن أوروبا العجوز تجدد دمها عبر انتخاب المهاجرين فتنتقي صفوة العقول ونخبة المهن بدماء شابة تعتصرها أوروبا العجوز لتستعيد بهم شبابها من جديد، كما فعلت أميركا، إذ اعتصرت أوروبا واستقبلت المهاجرين إليها لتجدد بهم دماءها بعد أن حررت نفسها من فقه العبيد والجواري في مزارع القطن، وصنعت حضارة الأحرار لنفسها دون العالمين، وها هي تعود خائفة من جديد، فيتعلق الأميركي العادي بكاريزما بوتين كفارس يركب الخيل بلا سرج، أكثر من تعلقه برطانة أوباما.
إنه الإعلام الشقي إذ يحاول الإمساك برأي كالماء، كان قبل عقود يمكن تجميده لتمسك بالرأي العام كقطعة الثلج، أما الآن فحرارة التواصل التقني بين الشعوب أذابت جليد رأيها، ليصبح حتى بعض رموز الصحوة شيوخ الكيمياء الجديدة وقد اختاروا الزئبق طريقة حياة، ما بين صفات المعدن وسيولة الماء، إنها ضرورة البقاء في المشهد لأجل البقاء، لا لأجل التنمية فلم يكونوا طيلة تاريخهم شركاء فيها إلا بوضع العصا في العجلة، ولا لأجل النظام فلم يكونوا طيلة تاريخهم سوى فوضى بدائية، باسم الفقه، الذي ما خيروا في مذاهبه إلا اختاروا أعسرها على الناس وأكثرها حرجا للعباد والبلاد، مزايدة على الناس والدولة، وما زالوا يستجرون فقههم هذا حتى هذه اللحظة بكامل حمولته المتناقضة، دون شعور بالعار التاريخي بحق أنفسهم، لأنهم أشاعوا بين الناس أن الإسلام دين ودولة، لنكتشف بعد حين أنهم يشيرون بهذه العبارة إلى أنفسهم، تحت حلم خمينية سنيَّة ترى في نفسها أنها الدين والدولة، فشكرا لكل نظام سياسي أعاد الأمور لنصابها لنرى الإسلام دينا ونرى المسلمين بمختلف مذاهبهم هم الدولة، فبهذا نستطيع هزيمة الإرهاب بكل ألوانه الطائفية سنية كانت أو شيعية، وما عدا ذلك فليس إلا ولوغ في الدم مع الوالغين، وليس لمن جمع الزعامتين العربية والإسلامية أن يرضى بدم العربي الشيعي ثمنا لدم الكردي السني، أو العكس، وإسفين أميركا الذي دقه بريمر عبر قوانين اجتثاث البعث، ليس إلا تأصيلا للفوضى الخلاقة، ولا يوجد عاقل يريد تكرار هذا في سورية، والنابهون لا يخطئون لأنهم يتعلمون من أخطاء غيرهم.