المجتمعات غير القابلة للتغيير أو ذات التفكير الجامد الذي يعاكس الحاضر دائما ليستلهم من ماضيه منهج تسيير أمور حياته، هي أكثر المجتمعات تخلفا عن ركب الحضارات وأكثرها معاناة، حيث الجهل يتحكم في العقول ويمنعها عن الخروج من دائرة الأسلاف الذين عاشوا وتكيفوا مع مرحلة مغايرة لما هي عليه الآن، ولأنها متوجسة دائما من التجديد فوسيلتها للمقاومة الهجوم على كل أمر أو خطوه لا يتوافق مع منهجها ورؤيتها، وإن لم ينصع المجدد لإنكارها. عمدت إلى تجييش العامة وإيهامهم أن أي خطأ أو تصرف يرتكبه شخص ما فإن سببه فكرة التغيير ذاتها، والتي أطلقت العنان للعقول لتخرج إلى عالم آخر يرعى الفكر ويطور العلم بما يفيد الإنسان ويحل مشاكله مع البيئة التي يعيش فيها.
وهذا الإنكار والمقاومة بل والهجوم بعنف هو ما يتعرض له برنامج الابتعاث، وعلى الرغم من قدم تنفيذ البرنامج إلا أنه لا يزال مستهدفا بالإجهاض، ولا تكاد تمر فترة وجيزة -ربما أشهر- على حملة سابقة إلا ولحقتها أخرى، جاعلة منه السبب في كل فعل مستنكر يصدر عن شخص هو من ضمن المشمولين بالبرنامج بل صورته بالأمر الجلل الذي سيدفع بالشباب إلى الضياع والخروج عن الدين، والعاقل المدرك يرى أن في كل ذلك افتراء وتجنيا، وإنكار للنجاحات التي كانت شواهدها عودة الكثير من الكوادر الشابة من مرحلة الابتعاث إلى الوطن وهي تحمل علما ووعيا، تحتاجهما المشاريع التنموية في بلادنا، ومع ما اكتسبوا من علم إلا أن ثوابتهم الدينية والاجتماعية ظلت كما هي، بل جعلتهم الغربة أكثر اتحادا وقربا وألغت إلى حد كبير ما يشاع بينهم في الداخل من تصنيفات لبعضهم، شيء منها قبلي وآخر مذهبي وحتى فكري.. هناك هم سعوديون فقط، وإن نظرنا للأمر بجدية فربما هذه النقطة التي أزعجت بعض المتشددين الرافضين لفكرة التعايش والتسامح.
لكن الغريب والمثير جدا أن محاربي برنامج الابتعاث والمتنمرين ضده والذين وصفوه بالخطر العظيم غضوا أنظارهم وأسماعهم عن مكمن الخطر الحقيقي في عقر دارهم وبين أيديهم، أفراده ينهلون من فكر محلي الصنع والنشأة، وأذيتهم وإجرامهم استهدفا بلادهم وبأضعاف ذلك الخطر -إن افترضنا ذلك- الذي قد يتوهم بعضهم أن الطالب المبتعث قد يعود محملا به من بلاد ما ينعتونهم بالكفار، فأقصى ما قد يعود به المبتعث فكر تنويري يرى الأمور على حقيقتها المجردة دون تزييف أو تشويه لغرض يهم شريحة معينة يوما عن آخر يزداد نفوذها.