طالعتنا الصحف بخبر مفاده أن سيدة غربية قررت أن تجرب القفز الحر بعد أن تخطت التسعين! تنهدتُ حينها وأنا أنقل نظري لدراجة ابني التي ما زلت أصر عليه باستخدامها تحت إشرافي لأتأكد أنه لن يغادر الرصيف ولن تسوِّل له نفسه قطع الشارع راكبا.
تعلمنا في طفولتنا أن خطواتنا على الرصيف الآمن تضمن السلامة، وأن يد الإبريق ستلذع أطراف أصابعنا لو استجبنا لرغبتنا المتهورة في سكب فنجان الشاي بأنفسنا، أغلبنا سمع من والديه أو أحدهما على الأقل (احذر، انتبه، افتح عينيك)، وقد يكون من النادر جدا (إن وجد) من يشجِّع أبناءه على التجربة أو يتمنى له يوما حافلا بالمغامرات.
نكبر وتكبر دائرة الحذر، نحذر في المدرسة وفي الشارع وفي السوق، علينا أن نحذر أو سنكون ضحية لشيء ما أو شخص ما أو حتى (فكرة) ما! هذا الحذر المفرط نما وصار سجننا الاختياري. وهكذا تطوى صحائف أيامنا بين مكروه لم يقع وعمر لم نستمتع بلحظاته، فقد كنا مشغولين جدا بالحذر حتى عن الاستمتاع بالتفاصيل كبيرها وصغيرها على سواء.
تربينا الحياة على الحذر إذا سمحنا لها، تأخذ منا عنصري المفاجأة والدهشة وتقولبنا بطريقة ساذجة أحيانا لتجعل منا شهودا على حياتنا المسيَّرة بدلا من أن نكون (صناع حياة)! متلازمة الحذر هذه قد تحرمنا من التفاعل مع محيطنا الاجتماعي كالتعرف إلى الجيران الجدد أو المشاركة في الأعمال التطوعية أو الأنشطة الثقافية إسرافا في الحذر! تمضي أيام بعضنا بلا خبرات جديدة ولا مغامرات يحكيها لأحفاده لأنه قرر أن يلتزم بالجانب الآمن من رصيف الحياة ويفوت كل المتعة المتاحة على الجانب الآخر.
الحذر سلاح ذو حدين، وإذا كان موروثنا القريب يقول (من خاف سلم) فإن مما تناقله العرب قولهم (لا يمنع الحذر من القدر). ومن طريف ما قرأت مؤخرا دراسة علمية تنصح الآباء بعدم استخدام الأحذية لصغارهم أثناء مرحلة تعلُّم المشي لأن الحذاء يؤخر التعلّم. خلص الباحثون إلى أن وجود الحذاء يجعل الطفل يكرر النظر إلى قدميه خوفا من السقوط! كأني بالآباء المشاركين في هذه الدراسة يقولون (من مأمنه يؤتى الحذر) فحرصهم المبرر على حماية الأقدام الصغيرة أخر الحركة الحرة لفلذات أكبادهم.
لست هنا لأقول (لا تحذر)، فأنا من جيل تابع (احذر تسلم)، ورددها مقلِّدا صوت المؤدي، لكني أريدك أن تفكر مليّاً قبل أن تسمح لثقافة الحذر بأن تسيطر على حياتك وقراراتك، فكر بما تخسره من عرض الحياة وأنت تعيشها بالطول فقط، فكر بكل الأضواء التي لم تتأمل انعكاسها على الماء لأنك لا تفضل السير على الجسور مساء وبكل الأطعمة التي لا تستطيع أن تصف مذاقها لأنك تحبذ تناول الطعام ذاته يوما بعد يوم، وكل الأفعوانيات التي لم تجربها لأنك (تعتقد) أنك لن تحتمل الألعاب السريعة! هذه التفاصيل التي تفوت متعتها بحذرك المفرط في حاضرك هي رصيدك من الذكريات الذي ستعود للإنفاق منه على نفسك وأبنائك وأحفادك عندما لا يعود الجسد قادرا على حملك لهذه الزوايا، فما هي الصور التي سيستحضرها ذهنك؟ وما نوع القصص التي سترويها!؟
خلاصة القول، كن على حذر من أن تحذر أكثر من اللازم. استخدم الجرعة الملائمة من الحذر بلا إفراط ولا تفريط، واسمح لروحك بالانتشاء دون وقوع خسائر فعلية. كل ما نملكه من حياتنا هو (الآن) فلا تقايض أنسه ومتعته بالحذر مما يحمله الغد الذي قد لا يجيء.
ولعل ما تخشاه ليس بكائن
ولعل ما ترجوه سوف يكون
ولعل ما هونت ليس بهين
ولعل ما شدّدت سوف يهون
أبو العتاهية