ركزت رؤية المملكة 2030 في كثير من جوانبها على محاولة تأهيل وتطوير المقومات الثقافية والنشاطات المعرفية، لتتحول من عبء اقتصادي يحتاج إلى الدعم والصرف الحكومي إلى التمويل الذاتي، وفي هذا الإطار يطرح عدد من المثقفين بعض الرؤى التي تتلمس هذا الجانب، من أهمها كيفية وضع بنية أساسية يمكن الانطلاق منها في ظل المشكلات التي تواجهها الكثير من المؤسسات الثقافية المحلية.
الثقافة ضد الفساد
في نظري حين تكون الثقافة مؤثرة في الوعي الاجتماعي ستضع حدا للكثير من الممارسات الاجتماعية الخاطئة، سواء في السلوكيات الاستهلاكية أو استخدام المرافق العامة أو حوادث المرور أو قضايا الفساد وغيرها، تدعمها القوانين والتشريعات التي تكرس الوعي، وهذا بحد ذاته منجز اقتصادي مهم في المقام الأول، وعلى الصعيد الإيجابي ستبرز ثقافة قبول الآخر وتشجيع السياحة والآثار والفنون وغيرها مما يدر دخلا اقتصاديا للوطن، وحين تبلغ الثقافة تلك المرحلة من النضج؛ ستكون رافدا اقتصاديا أيضا من خلال توفير الوظائف للشباب المدربين في الكليات والأكاديميات الفنية والثقافية السعودية بأنواعها الحكومية والخاصة، وسد الحاجة إلى الخبرات الوطنية في هذه المجالات المهمة. وعلى مستوى المؤسسات الثقافية والمثقفين فالاهتمام النوعي بالمؤتمرات والملتقيات الثقافية العربية والعالمية سيستقطب التفاعل من خارج الوطن، وكذلك الاهتمام بالمؤلفين وبإنتاجاتهم الإبداعية والفكرية، ورفع سقف الحرية الفكرية، سيؤدي إلى مضاعفة جهودهم، ونفض الإحباط عن ذواتهم وأقلامهم، وهذا سينعكس على حركة الطباعة والنشر والبث والإعلان، وربما يقود إلى تكسب المؤسسات الثقافية بتذاكر حضور الأمسيات والندوات والدورات.
أحمد الهلالي
شاعر
خطوات عملية
المهمة الأولى هي وضوح الرؤية للأجهزة العاملة عليها، بدءا بأجهزة التخطيط فالإدارة حتى الأجهزة التنفيذية ومن ثم العمل على تحويلها إلى برامج قابلة للاستجابة، تعمل على مستويات مختلفة وفي اتجاهات عدة في ذات الوقت.
من هذه الرؤية أو غرفة العمليات يمكن تسيير وإطلاق عدد من مسارات الإنتاج في ذات الوقت (يحتاج كل مسار الكثير من التفاصيل التي لا يسعها حيز الرأي هنا)
1 مسار الإدارة الثقافية: وهو الاستثمار في الطاقات الشبابية لإدارة وتسيير العمل الثقافي عبر الدراسة الأكاديمية المختصة (الاستفادة من برنامج الابتعاث، مثلا)
2 مسار الدراسات الأكاديمية في الفنون، بفتح أقسام وتخصصات في الجامعات السعودية وابتعاث الطلبة والموهوبين في المجالات النادرة
3 ـ تجهيز البنية التحتية: البدء في بناء مقرات ثقافية وفنية في مختلف المدن والمحافظات، تشمل المتاحف بأنواعها، المسارح المفتوحة والمغلقة، صالات السينما، الجاليرهات، صالات الفنون والورش، المكتبات العامة، مراكز الإقامات الإبداعية... إلخ.
4 ـ أرشيف الفنون والثقافة: بإنشاء مراكز الرصد والبحث والتوثيق وهي محاولة للحفاظ على ما تبقى من الفنون والمنتج الثقافي خلال القرن الماضي في سائر أنحاء الوطن
5 ـ برامج تفريغ المواهب الفنية والإبداعية: وهو برنامج متعدد المستويات معمول به في مختلف دول العالم بما فيها دول خليجية
6 ـ وضع قوانين تحفظ الحقوق الفكرية في سوق الفنون والثقافة، إضافة إلى تسمية وظائف رسمية بالمهن الثقافية والفنية
أحمد الملا
شاعر
التحدي الأكبر
أعتقد بأن موضوع الاستثمار في الثقافة هو تحد حقيقي بل هو التحدي الأكثر أهمية وحيوية الآن في إطار رؤية المملكة الجديدة 2030 ، وذلك يحتم علينا الاعتراف أولا بأننا من الدول التي لا تملك تقاليد ثقافية حتى الآن.. أي أننا دولة ناشئة في هذا المجال رغم توافر الفرض الخام الكثيرة في المملكة للاستثمار الثقافي، وهو ما يعني أننا نستطيع بالقليل من الذكاء والتخطيط الجيد أن نحقق استثمارنا الخاص في الثقافة بشكل ناجح، ولدينا تحد ثان يتمثل في فجوة كبيرة تراكمت على مر السنين ما بين المثقف والثقافة عموما والتاجر السعودي أو المستثمر لا بد من ردمها تدريجيا لتحقيق الثقة بين الطرفين، وهنا يأتي دور الدولة كشريك ثالث لا بد أن يقوم بتشجيع الطرفين وتوفير الدعم والمناخ المناسب لإنجاح التجربة بينهما تدريجيا على أسس فنية وثقافية متينة وثابتة، مثل الاستثمار في إنشاء المعاهد المتخصصة وكليات الفنون وبناء دور السينما والمسرح للوصول إلى أهداف بعيدة المدى.
عبدالعزيز السماعيل
مسرحي
تفعيل وجدية
لا شك أن دور القطاع الخاص في دعم أوجه الثقافة والفنون غائب أو مغيب ويمكن تفعيله بشكل جاد متى ما فعلت برامج الخدمة المجتمعية وألزمت بها الشركات والمؤسسات والبنوك وكانت شرطا في تصاريحها وتجديدها، أيضا فتح المجال لإنشاء الشركات والمؤسسات الثقافية الخاصة لصناعة حراك ثقافي اقتصادي، فالساحة الثقافية المحلية لا تزال لم تستثمر فصناعة المهرجانات والأفلام والمزادات الفنية متى ما نظمت وفتحت لسوق الفن والثقافة العالمي متى ما حصل شيء من الحراك المأمول، فالرؤية متى ما فعلت كما هو مرسوم لها فإن الفعل الثقافي سيصبح مغريا للاستثمار الاقتصادي ويشكل دخلا جيدا يمكن الصرف منه على الفعاليات وحتى البنى التحتية للمؤسسات الثقافية.
فيصل الخديدي
فنان تشكيلي