لن أكذب على نفسي وقواعدي إن قلت إن المشوار الطويل بين الأهلي وبين بطولة الدوري كان قصيراً أو مجرد رمية حصاة. 32 سنة كانت كافية لتأخذني من العشرين إلى ما فوق الخمسين مثلما كانت كافية لأن يشتعل الرأس شيباً، وهذه مدة طويلة. بعد آخر دوري فاز به الملكي الراقي حصلت على الشهادة الجامعية وبعدها الماجستير والدكتوراه، وأيضاً بعدها سنوات عمل جامعية طويلة، وكنت من باب الدعابة وكسر الحواجز ما بيني وبين طلابي أدخل المحاضرة الأولى بالسؤال: (اللي أهلاوي يوقف).. بين آخر دوري وبين الليلة التاريخية... حسبتها... زرت 32 بلداً حول قارات العالم الفسيح، فاز الأهلي بـ17 بطولة بين البطولتين، ومع هذا تبقى هذه البطولات مجرد أطياف ثانوية حول الدوري.
تسألني: ولم هذا الإصرار حتى الوصف بأن علي الموسى هو المشجع الأهلاوي الأول في كل هذا العالم؟ الجواب: لأن الأهلي بطاقة اجتماعية إلى أبواب النخب أكثر من أن يكون ناديا للرياضة والكرة. أحياناً أشعر أن الانتماء للأهلي ورقة إضافية جوهرية في ملف السيرة الذاتية حينما تتقدم للمنافسة على عمل أو وظيفة. الأهلي يعطيك الإحساس بالانتماء لناد اجتماعي من الصفوة.
دعوني أكشف تفاصيل ليلة المشجع الأهلاوي الأول مع كل مباراة مصيرية حاسمة. عندما يلعب الأهلي مع أي من أنداده الثلاثة الكبار. أقفل الجوال، يتحول المنزل إلى ثكنة عسكرية صارمة لا مجال فيها لاستخدام أي من تلفزيونات بيتنا الثلاثة خوفاً من خبر لا يسر. أخرج إلى بيت أمي وأكون معها جسدا بلا عقل. نصف شوط. بعدها آخذ سيارتي إما إلى السودة أو القرعاء. أمشي مثل المجانين في الغابات السوداء المظلمة. لا أحمل ساعتي ولا أطالع أبداً في ساعة السيارة. لدي توقيت بيولوجي يأخذني لأن أفتح الجوال بعيد صافرة الحكم. كان عاماً سعيداً لهذا الجوال.. فزتم بالثلاثة.. بالأربعة وعلى من؟ على الكبار الهلال والنصر والاتحاد. دعوني ختاماً أسرد لكم قصة سماع المشجع الأهلاوي الأول بهذا الكون خبر الفوز بالدوري. عدت من ظلام القرعاء قبل النهاية بخمس دقائق. دخلت فناء منزلي وإذا بزوجتي تستقبلني بوجه شاحب. قالت لي: لا تقلق الأمور طيبة، وفجأة سمعت صراخ أطفالي كالقنبلة. خفت أن يكون ذاك فرحة حمود الاتحادي بفوز الهلال. قالت زوجتي.. اهدأ فإن الأم تعرف أصوات أطفالها بإحساس الأمومة. فجأة... صرخت.... هذا صوت مازن. هو أهلاوي صميم. سمعت مازن يقول... ثلاثة... ثلاثة... ثلاثة. صعدت إلى الدور الثالث قبل أن يخلع حسين المقهوي فانيلته في اللقطة الشهيرة. أسرع عداء في التاريخ... مجانين.