هذا بحث أكاديمي تاريخي لا يمكن القفز عليه أو تجاهله أو المرور عليه بسهولة. والقصة أن جامعة جورج واشنطن بالعاصمة الأميركية، إحدى أعرق الجامعات العالمية، اعتادت سنوياً تمويل بحث جبار يدرس التحولات المجتمعية وعلاقتها ببعض المعاملات القيمية والأخلاقية التي تحكم هذه المجتمعات. في هذا العام اختارت جامعة جورج واشنطن بعض قيم الدين الإسلامي الحنيف لتدرس مدى التزام مجموعات من دول العالم ومجتمعاته بهذه القيم الإسلامية الرائدة. البحث المبدع، وللتوضيح يدرس انعكاس القيم الدينية الإسلامية على سلوك الناس، ولا يبحث أبداً في أصول المعتقد والعبادة وإقامة الشعائر الدينية والالتزام بأداء الأركان والفرائض.
البحث درس ميدانياً ولمدة ثلاثة أعوام وفي 115 دولة مدى تطبيق معايير مثل الصدق والنزاهة والأمانة وحقوق الفرد والآخر، إضافة إلى قيم سامية أخرى مثل حق المرأة والطفل ورعاية الأيتام، ثم قال عن هذه المعايير في المقدمة ما أترجمه: إن الدين الإسلامي كان صارماً واضحاً في الدعوة لأن تكون هذه المعايير الأخلاقية جزءاً من حياة تابعيه فلا تكتمل العبادة دون المعاملة. هنا تبدأ الزبدة: لم تستطع دولة إسلامية واحدة أن تقتحم المجموعة الأربعين الأولى في بحث يتحدى في العنوان الرئيسي عن (أكثر الدول تطبيقاً لتعاليم الدين الإسلامي)، وهنا حلت دولة الكويت في المركز الثاني والأربعين كأول مجتمع مسلم يدخل هذه القائمة ولكن للأسف الشديد في هذا المركز. احتلت نيوزيلندا المركز الأول من بين كل دول الكون، وكما يقول البحث: (الدولة الأولى التي استطاعت ترجمة المعاني الأخلاقية السامية لتعاليم الدين الإسلامي في بضع معايير محددة نعتقد أنها جوهر المعاملات المشتركة ما بين المجتمعات البشرية). حلت الدنمارك ثانية تليها السويد ثم فنلندا، وهنا يحق لنا السؤال الساخر: لماذا تختال هذه الدول الإسكندنافية على الدوام بكل رائع جميل في مجال الحق الإنساني المشترك، وهذه المرة تفوز بتطبيق أغلى وأعلى قيم ديننا الحنيف في المعاملات البينية المشتركة ما بين البشر؟ وحتى في الصدفة نجد هذه الدول تتربع على المراتب العليا لا في رفاهية الإنسان فحسب، بل حتى في استقبالها وحسن ضيافتها للمهاجرين إليها وسوادهم الأعظم من شرقنا الأوسط. زبدة النهاية: أتدرون أين مرتبة المجتمع السعودي في بحث انعكاس القيم الدينية على سلوك المجتمع والأفراد؟ نحن في المرتبة 92، فلم يشكل لي هذا الرقم صدمة كبرى خارج المألوف اللامتوقع.