أتفهم أننا نعيش في مجتمع له آراء مختلفة في أمور عدة، وأتفهم أنه حين يتحاور البعض ويعرض آراءه بالرفض أو القبول أن هذا من حقهم، فكل له الحق في إبداء الرأي، وفي الوقت ذاته من المتوقع أن يحترم الرأي الآخر دون أي تعدٍّ.
ولكن الذي لا أتفهمه هو حين يتدخل أحد من خارج هذا المجتمع ليس ليبدي رأيه، بل التدخل في قرار هو خاص بنا وليس لغيرنا! وصلني عبر الواتس مقطع صوتي لامرأة خليجية، كما تم التعريف عنها، لا تبدي رأيا، بل تعلن الرفض لقيادة المرأة في السعودية! وليس هذا فحسب، بل قامت بتصوير مجتمعنا كأننا نعيش في غابة، وليس لدينا أدنى سبل الأمن والأمان، وبأن شبابنا عبارة عن نتاج خطر يسير في الشوارع بلا ضوابط، باحثا عن أي أنثى كفريسة يستفرد بها! شعرت وأنا أستمع لها وكأنني يجب أن أهاجر إلى بلدها، حيث هناك فقط سأجد الأمن والأمان! لا تريد أن تقود في المملكة هذا حقها، حسب الخبرات التي تقول إنها مرت بها، ولكن أن تبني على ذلك وتعمم، بل تحولنا إلى مجتمع همجي كحجة لهذا الرفض، هذا ليس من حقها! أن ترفض سماح القيادة للمرأة في بلدها، هذا حقها، ولكن أن ترفضه في بلدنا بالتأكيد هذا ليس من حقها! إن القضية شأن داخلي نحن ونحن فقط من يقرر!
حين أتابع الردود على المقالات أو شبكات التواصل الاجتماعي الخاصة بالقضية، أشعر أحيانا بالغضب للتعدي الذي يطال أي من الفريقين من الاستهزاء أو التطاول والتدخل في حياة الأفراد الشخصية وإعلان الحرب لمجرد رأي! ولكن الذي أضحكني فعلا، والمقصود به إثارة الغضب لكل امرأة تطالب بقيادة السيارة، تكرار البعض لكلمتين لن تقودي! تجد المطالبة تعرض حججها، فيأتي الرد لن تقودي، تعرض أدلتها فيأتي الرد لن تقودي، وقس على ذلك كلما تكتب إحدى هؤلاء النسوة، يدخل أصحاب لن تقودي ليتركوا بصمتهم... لن تقودي... لن تقودي... لن تقودي، وكأنه ليس لديهم منطق أو حجة أو حتى سبيل للرد أو الحوار الراقي، سوى هذه الأسطوانة المشروخة!
كل ذلك يذكرني بقصة كانت جدتي -الله يرحمها- تحكيها لنا في نهاية جلسة قصص ما قبل النوم، حين تتعب من إصرارنا على حكايات أخرى ورفضنا النوم.. تبدأ بقول: أحكيلكم حكاية إبريق الزيت؟، نرد نحن: أيه، هي: إن قلتو إيه وإن قلتو لا أحكيلكم حكاية إبريق الزيت؟، نحن: ستي!، هي: إن قلتو ستي ولا قلتو جدتي أحكيلكم حكاية إبريق الزيت؟، وهكذا إلى أن نرفع الراية، كنا نعلم كيف ستجري وأين تريد أن تأخذنا، ولكننا كنا نشارك بفرح لأننا أيضا كنا نضيف في كل مرة مفردات جديدة، ومن خلال هذه الحكاية الدائرية تجعلنا شركاء في مسرحية اللانهاية بين المعقول واللامعقول حتى تصل بنا لحد الاستسلام والنوم! والتشابه بالقصة مع من يستخدم لن تقودي هو التكرار متوقعا الاستسلام، أما بالنسبة للاختلاف فإنه لا يبالي بكل ما يقال أصلا، ما يريده هو إثارة الغضب ودفع الطرف الثاني لكي يغلط ومن ثم يحمل ذلك ويطير به انظروا ما قالته فلانة!، وبتكرار لن تقودي كأنه يقلد سيناريو حكاية إبريق الزيت: إن شكيتِ أو لم تشتكي لن تقودي، إن غضبتي أم لم تغضبي لن تقودي، إن طلبتي أو لم تطلبي لن تقودي! وهنا نقول ماذا لو أن تلك النسوة استخدمن نفس الأسلوب، كيف سيكون شعورهم أو ردة فعلهم؟ طبعا التطاول والتعدي ولن ننتهي!
هل مثل هذه الطريقة وغيرها من الطرق السلبية نناقش قضايانا؟! هل هذا ما نريده كمجتمع يريد أن يكون متحدا يعمل على التحاور لإيجاد الحلول التي ترضي جميع الأطراف، ولا تسمح لأي طرف بالتعدي على حقوق الثاني! بل لقد وصل الأمر بتدخل كل من هب ودب من الخارج في القضية! عندما تقلل من شأن المرأة من مجتمعك حين تناقشها، فأنت تسمح للغريب بأن يتدخل ويكمل المسيرة! وينتهي الأمر بأن من المفترض أنك تدافع عنها، حسب وجهة نظرك، تصبح عرضة للانتقاد والتعدي!
لغتنا العربية جميلة، بل ثرية بالمفردات والتعابير الراقية، أخلاقنا وشيمنا العربية يعج بها أدبنا وروايات الغرب التي نهلت منها حتى الشبع، إيماننا وقيمنا يفرضان علينا أن نحب للغير ما نحب لأنفسنا ونكره للغير ما نكرهه لأنفسنا، والله -سبحانه وتعالى- يحثنا على استخدام العقل في أكثر من آية كريمة، تريد أن تعرض رأيك تسلح بإيمانك وقيمك ولغتك ثم شغل عقلك وحاور، لن تخسر إن فعلت، بل ستكسب احترام الطرف الآخر وكل متابع، وإن كانت الحجة والمنطق عندك قوية ستكسب هؤلاء المتابعين في صفك. ومن يدري قد يؤدي الحوار الراقي إلى مرحلة ربح/ ربح، فلا غالب ولا مغلوب وتحل القضية.
الذي أعرفه أنه لا توجد قضية مجتمع بلا حل، فمهما كانت المشكلة لنكن جزءا من الحل، ولا نقضي جل وقتنا في إشعال الحروب الجانبية التي لا تنتهي، ولو فكرنا قليلا فسنجد أنه ليست المشكلة في أننا لا نرى الحل، بل إننا لا نرى المشكلة أصلا، وهنا أعني الرؤية العميقة المتكاملة لجميع مكوناتها، وليست الرؤية من زاوية واحدة! ما أتمناه من مجتمعنا هو أن نضع أنفسنا مكان الآخر ونتفهم وجعه ونتعرف إلى مخاوفه، ما أتمناه من مجتمعنا هو أن نتحاور برقي لنصل للتوافق، نتحاور برقي ولا نعطي أي فرصة للغريب بالتدخل، الحل لهذه القضية وكل قضية بأيدينا نحن إن بحثنا عنه سويا وليس لأحد خارج هذا المجتمع حق التدخل!