كان يقال لنا عندما كنا صغارا، إن الحياة ستكون أجمل عندما نكبر، فكل واحد منا سيتعلم كيف يتحمل المسؤولية ويكون فردا فاعلا في محيطه الصغير، وأقول الصغير لأن حلمنا بمحيطنا الكبير كان رجسا من عمل الناكرين يجب الابتعاد عنه، وأن صوتنا الخافت سيسمع، لذا لا عجب في أننا ما زلنا نحلم في أن يصل صوتنا إلى ما وراء حناجرنا، وإن كان نشازا وبلا معنى.
في أحيان كثيرة، ينتابني شعور بأني مجرد انعكاس طيف لحالة كانت موجودة في الماضي. شعور ليس تماما كما يسميه البعض تناسخا، ولكن شيئا يشبه أن تعيش وأنت تشعر أنك تقوم بدور تمثيلي في عمل سينمائي أُنتج عام 1960، أو أنك شخصية في رواية كتبها نجيب محفوظ أو غازي القصيبي أو روائي مغمور لم يحن بعد موعد اعتراف العالم بعظم أعماله.
أحوم باستمرار حول أروقة الأفكار، أبحث فيها عن شيء لا أعلم حقا ما هو بالتحديد، ولكني على يقين أنه مكتوب لي أن أجده ذات يوم، ولكن رغم شغفي بالبحث والتنقل بين الآراء والمفاهيم أجد أن هناك غيمة من نتانة فكرية ونفسية تحوم حول المكان. أحاول أن أقاوم التنفس فأجدني أتوقف قسرا عن التفكير فأصاب بالذعر وأمتنع فورا عن الرجس، وأعود إلى مدخل الرواق، وربما أحيانا أنكفئ مرتعشا في محيطي الصغير الذي ما زلت وفيّا بألا أتجاوز فلكه.
أحد الأمور المحزنة، هو اكتشاف أن الحياة التي كنا نتطلع إليها ونحن صغار، لم تكن سوى حلم جميل خلقناه في أذهاننا، وتعلقنا به من أجل أن ننام عندما يحل المساء متطلعين إلى ما سيأتي به القدر صبيحة اليوم التالي، ومن الأمور المفرحة في هذه الحياة التي تأخذنا كل يوم من مكان إلى آخر، هو أننا لم نعد صورة وجسدا صامتا لا يسمعنا أحد، فها نحن هنا اليوم يسمع تجلياتنا المجنونة التي سجلتها ذبذبات عقولنا، كثيرٌ من الناس، منهم من يقول هذا كلام العقلاء، وآخرون يعدّون ما نقوله خزعبلات منطقية، في حين أن بين هؤلاء وهؤلاء تكمن طائفة من المجانين العقلاء، ممن يرى في كل سطر من هذه السطور صورة لمعنى، وفي كل حرف من هذه الحروف لحنا لوتر، وفي كل تنهيدة تسبق الكلمة معنى عميقا لا يمكن أن يخطئه عقل متفتح طامح لأن يكون هو هو، لا أن يكون هو مجرد عقل يردد ما سمعه في طفولته، ويحلم أحلاما لها حدود.