الشباب فقدوا القدرة على فهم ما يطرحه النجوم، أو أنهم تجاوزوه، فهم مشغولون بنجوميتهم الخاصة ويختارون ما يودون سماعه لا ما يود أحد أن يفرضه عليهم

 انطلاقا من العنوان أتحدث عن مقاربة قضايانا من زاوية واقترابنا من بعض من زاوية أخرى في عالمنا الصغير اليوم، فالتحولات التي نعيشها اليوم مع تسارع وتيرة الحياة استدعت تحولات قريبة، منها تلاحق مستجدات العصر وتقترب من تقنين الحياة -إن صح التعبير- لتصبح مناسبة أكثر لحاجاتنا الإنسانية.
كيف نتعامل مع قضايا؟ بل ما أهمها؟
ما يحدث وأصبح محسوسا أو مرئيا هو أننا نتعامل مع قضايانا من زاويتين؛ الأولى استباقية هي نتاج رؤية المثقف أو الخبير الذي يحلل ويعلل المعطيات ليدرك مكمن الخلل قبل أن يستشري، وقد يتعامل معه تعاملا إعلاميا فيلقى التأييد كما يلقى من التفنيد والاتهام؛ لأنه ببساطة قد يلامس وعيا أو يصدم أوهاما.. هناك نماذج لبعض مشاهير الاقتصاد والسياسة، بل حتى الطقس، وهنا نستثني المثقف الهادئ الذي يدرك بشكل جيد ما يحدث، ولكنه يحتفظ به لنفسه أو محيطه الضيق؛ هذا المثقف المعزول لا يؤثر عادة إلا إذا نقل أفكاره بكتاب أو غيره. الزاوية الثانية هي التعاطي الشعبي والرسمي المتناغم معه الذي يسن القوانين أو يعدلها أو حتى يوقفها بناء على ما استجد من حالات، وهذا يحدث في كل مكان يحكمه قانون.
التعديات على الحدائق والأراضي نموذج لفساد تمت معالجة جزء منه استجابة لمطالبة شعبية أو تنويها من مواطن غيور على تعد من تاجر استخف به وبالوطن حين سرق رصيفا أو حديقة؛ ويكفينا الآن استعادة ما نهب من متنزهات أو أراض بدون وجه حق من الأثرياء على حساب مصلحة الوطن. أضف إليها أحد الانتخابات التي كشفت وجها من الفساد لأحد التجار الذي ورط الشباب ولم يخجل من أن يطلب أصواتهم، وكأن الفساد لا يخجل عن كشف أقبح وجوهه؛ بل لا ندري كم ستكشف مقبلات الليالي من فساد يعلن صاحبه عنه بالاسم الصريح!
ما يحدث أن أهم قضايانا تحددها الحاجة الفردية التي تتحول إلى مطلب جماعي، والإسكان نموذج على ذلك، أو يصنعها بعض الحماس الذي يمكن وصفه بالمصنوع أو الوقتي في مجتمع شاب يملك نشر أفكاره الخاصة على كل مواقع التواصل التي يمتلك زمامها، اللافت أن نجوم التواصل الجدد يزاحمهم أصحاب الأسماء التي كانت نجوما لأشرطة الكاسيت، وكم أستغرب رؤية رجل قارب الستين ينشر عبر الكاميرا أفكاره بحماسة القديم، وليس الغرابة من فعله بل من وجود المؤمنين برسالته مع أنه لا يقدم جديدا يخدم الواقع المعاش؛ ولكنه يقرب كاميرا الجوال ليناقش كل شاردة وواردة، ويأتي من ينقل لنا كلامه أو يحثنا على متابعة طرحه ومقاربته، وكأنه سيأتي بجديد مع أن أقصى ما يأتي به رؤية خاصة أو أفكار إيجابية يمكن أن نقرأ خيرا منها في فصل في كتاب من كتب التنمية الذاتية!
هذا النمط من المشاهير أو لنقل قدامى المشاهير تفوقت عليهم طباخة كانت اسما مغمورا قبل سنوات قريبة، بل ربما ما يزال اسمها المستخدم هو الاسم الأول فقط، كما تفوق بعض مشاهير الفنون أو مشهوراته حتى بصراعاتهن واستفزازهن لبعض!
تأتينا رسائل أستغربها لمتابعة حساب الداعية التي كانت تؤمن بأن صوت المرأة عورة فقد أصبح لها صوت مسموع ينبغي أن نتابعه بعد أن كان الحضور لمجالس الذكر وسيلتنا الوحيدة للتواصل معها!
المطالبة بالمتابعة تكشف عن جانب من عزلة ثقافية، لنطلق لقب المصرين على التواصل اليوم والذين ما يزالون يريدون توجيه الوعي باتجاه ما يؤمنون به تقوى أو ورعا أو إسلاما سياسيا، ترى ما تأثيرهم ومن يستمع لهم ومن يخشى اليوم أن يناقض طرحهم، بل ما حقيقة ما يطرح والقنوات مغلقة على آلاف المتابعين ولن أقول ملايين.
تفاجأت بأن مشاهدة بعض قنوات اثنين من رموز التدين لا تتجاوز نسبة مشاهدتها على اليوتيوب بضعة آلاف، بل لهم مقاطع لم تتجاوز مشاهدتها بضعة مئات مشاهدة! ولكم أن تقارنوها بزلزال (واتسبدي) وتوابعه الذي حقق ملايين المشاهدات، منها 4 ملايين مشاهدة لمقطع واحد لمطربة يمنية مشهورة!
أين متابعوهم والمدافعون عنهم؟!
سأستعجل وأجيب بأن الشباب فقدوا القدرة على فهم ما يطرح هؤلاء النجوم أو تجاوزوه، فهم مشغولون بنجوميتهم الخاصة، ويختارون ما يودون سماعه لا ما يود أحد أن يفرضه عليهم، وهذا في ظني من أهم إيجابيات انفتاح خيارات التواصل!
فاجأنا وعي شباب انفتح على الأجمل فكونوا رؤى إيجابية وتواصلوا مع غيرهم ومع أفكار الحياة الخضراء، كما فاجأنا انغلاق عدد من الشباب على عزلتهم الرياضية أو حين (يهجول) في الشارع؛ لكن ما يهون الأمر أن كثيرا منهم ما يزالون في طور المراهقة.
وأود أن أصل إلى نقطة أننا يجب أن نقترب أكثر لإحداث التغيير الإيجابي المطلوب للشباب ليصبح أكثر وعيا بقضاياه الحقيقية فنيا واجتماعيا وثقافيا، فلنا ككل البشر خصوصيتنا التي نحاول المحافظة عليها والمهددة بالقادم من الخارج عنها من أفكار سلبية، كما أنها بحاجة إلى أخذ أفكار إنسانية في التعاطي مع البيئة والموارد وصناعة الإنسان.