في فترة الثمانينات كانت المستشفيات العسكرية في المملكة تعج بالممرضات البريطانيات والأيرلنديات، ثم فجأة اختفين، بل إن أعدادهن تهاوت حتى في المستشفيات البريطانية. ومثلهن المربيات والممرضين والسباكين والمهنيين بشكل عام ممن ينحدرون من أصول بريطانية.
في الواقع أن الحقبة التاتشرية التي اكتشفت فيها رئيسة الوزراء البريطانية أن النهوض بالتعليم يعني النهوض بالاقتصاد عبر صناعة طالب منتج قادر على المنافسة عالميا، وليس على مهن كالتمريض والسباكة... إلخ، بل على مهن مثل الإدارة والمحاسبة وكل ما يتعلق بالعلوم.
قد يتساءل أحدهم إذا كان كل الشباب سيصبحون قياديين وعلماء ومحاسبين وأطباء فمن سيعمل في المهن؟
التفكير الشامل هو أحد مميزات القيادة البريطانية. هم لا يتركون شيئا دون تغطيته أو دون معالجته.
أولاً هناك دور عظيم تقوم به الحكومة البريطانية ويتعلق بتطوير المواطن المستمر ودفعه إلى الاستعانة بنفسه، فالمجلس البلدي للحي يقدم دورات مجانية على أعمال السباكة والنجارة والزراعة، لذا لا يحتاج البريطانيون إلى غريب يدخل بيوتهم ويصلح لمبة مكسورة أو بابا مخلوعا أو مسمارا يحتاج إلى تثبيت.
كما أن التلفزيون يشجع الناس بطريقة غير مباشرة على هذه المهن، حيث تعرض برامج يزور فيها المعد أجمل حديقة منزلية وأفضل جراج منزلي، هذا غير الدروس المجانية للنجارة والسباكة ومهن أخرى.
كذلك لعب البريطانيون بورقتين رابحتين: الأولى، الشباب تحت العشرين والذين يتوقف آباؤهم غالبا عن الإنفاق عليهم، فيعملوا بالساعة في المقاهي والمطاعم وشركات الاتصال، ومثلهم طلاب الجامعات والشركات تقدم لهم عقود مرنة تناسبهم، ويصل دخلهم على الساعة إلى ما بين 25 - 30 ريالا، فيعملون لساعتين إلى ثلاث ساعات يوميا ثم يعودون إلى دراستهم.
الورقة الثانية: المتقاعدون، حيث يعملون في المهن التي لا تتطلب مجهودا كبيرا كبائع في سوبر ماركت أو مكتبة الحي... إلخ.
بالطبع هناك سباكون وكهربائيون وميكانيكيون، لكنهم في الغالب أوروبيون وبولنديون، وهؤلاء يقومون بالدور الذي تبقى. لذا أعدادهم ليست كأعداد الأجانب في بلادنا، ومن النادر أن يشغل هؤلاء مناصب قيادية أو مهنا مرتفعة الأجور كالطب والمحاماة وغيرها.