يارجال الأعمال الرحمة في شهر الرحمة والعطاء لإخوانكم الفقراء، وإعطاءهم كوبونات التخفيض الفعلية، كما تفعل بعض الجمعيات الخيرية وبعض ذوي اليسر والسعة
عندما تقترب المناسبات، تستعر شهية الناس باتجاهات مختلفة ومتنوعة، فعندما يقبل العام الدراسي ترى كثيرا من البيوت تستنفر نفسها وأبناءها في اليوم الأخير من الإجازة مع الأسف، وكأن العام كله ليس مجالا للشراء والبيع والدخول إلى الأسواق، وعندما تقترب مواعيد الإجازة انظر إلى مكاتب السياحة يهولك ما تشاهده من حركة وطوابير على مكاتب السياحة والطيران وتحرك الواسطة لإيجاد حجز أو إلغائه، وترى حميم ذلك بين الآباء والأبناء في توزيع أيام الإجازة وأين سنقضي الإجازة.
إلا أننا اليوم أمام مناسبة لافتة للنظر بشكل غريب لحركة الأسواق اليوم مع دخول شهر الصيام، شهر البركة والغفران، شهر العطف على الفقراء والمحتاجين، والناس يمسكون بعربات الشراء داخل المولات وكأن حربا ستقع يفقد معها الناس البضائع والأغذية -حسب ظنهم- ويتاجر ملاك التجارة بأعصاب الناس، هذا متوافر وهذا سيأتي، والتخفيضات المبوبة على السلع بعضها غير جاد إلا بترخيص من التجارة والاستثمار، وقد شرعت لأعد موضوعا أتعرف خلاله لماذا هذه الهّبةُ المسعورة على الأسواق، ومن أين أتت ومدى الإنفاق وحقيقته، ولماذا وصلنا إلى هذه الحالة؟
لكنني لمست أن هذه ظاهرة عالمية تستغلها شركات الدعاية والإعلان مع تغير المواسم وقدوم الأيام المهمة في حياتنا كمسلمين، ومن أبرزها الأعياد ورمضان، وثقافة الناس وتوعيتهم تحتاج إلى مزيد من عناية من وسائل التوجيه المختلفة، ومن الإذاعة والتلفزيون والصحافة، ومعها اليوم التواصل الاجتماعي، إذ تنشط في بعض مواقعها لتستغل فتشعل الأسعار، ويكب الناس على كل سوق ومتجر، دون مراعاة لظروف ميزانية الأسرة التي لا يتجاوز راتبها مثلا 5 آلاف ريال، وهي السواد الأعظم من أفراد المجتمع، ولكن سوق الصدقات ولله الحمد يسهم في تغطية هذا النقص لدى تلك الأسر المحتاجة، وهي ما أعنيه من حديثنا في ثقافة الاستهلاك الرمضانية.
وعذرا لتجارنا إن قلت لهم: الرحمة الرحمة في شهر الرحمة والعطاء بإخوانهم الفقراء، وإعطاءهم كوبونات التخفيض الفعلية كما تفعل بعض الجمعيات الخيرية ورجال الأعمال ذوي اليسر والسعة، وتصوروا أنه في إحصاء أجرته إحدى بيوت الخبرة، يقول إن ما ينفقه المواطنون خلال أشهر العام ما يقارب من 7 مليارات، بينما سُجّلت الإحصاءات عن إنفاق شهر واحد من رمضان المبارك 20 مليارا! فأين ثقافة التسوق ولماذا تصل الفاتورة الشرائية إلى هذه المبالغ الباهظة؟ ولربما للناس عذر أنهم ينشطون في مجال العمل الخيري وإفطار الصائم والصدقات، لكن أيعقل أن يصرف 3 أضعاف عن صرف السنة كلها!
أعتقد أن هناك سببا رئيسيا يغفله كثيرون، وهو عدم التخطيط وترتيب الأولويات، وهذه قضية يفترض على كليات الاقتصاد أن تنشط لتقدم دراساتها وأبحاثها حول فاتورة الاستهلاك الرمضانية، ولماذا هذا الهدر الغذائي الذي يكفي الأمة بأكملها، علينا أن نقرر في مجاميع الأسر والبيوت ما الحاجة؟، وماذا ينفق الإنسان خلال الشهر؟، رغم أن الطب النبوي وهديه عليه الصلاة والسلام، يحدد بحسب ابن آدم لقُيمات يُقمن صلبه، فإن كان ولا بد فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنَفسِه، حتى ترتاح المعدة وهي بيت الداء، لعل الناس مع التحول الجديد والتقشف الذي تسير عليه ميزانيات الدوائر الحكومية في تقنين المصروفات يسري على الأسرة وهي النبتة الأولى في المجتمع، حتى تخفف من فاتورة الصرف في رمضان، على حساب ارتفاع فاتورة الصحة، وتحصيل الأجر بجسم سليم وعبادة طاهرة متقبلة.