الدول الكبرى وفي مقدّمتها الولايات المتحدة وروسيا تدرك أهمية التعاون مع مجلس التعاون الخليجي كشريك حقيقي في تحقيق الأمن وإعادة الاستقرار للمنطقة بعد أن فتّتتها الفوضى الخلاقة
تابعت باهتمام كبير القمة التشاورية لدول مجلس التعاون الخليجي في جدة وما صدر عنها من قرارات وتوصيات لجهة تفعيل العمل التكاملي بين دولها، على أساس الرؤية السعودية وتشكيل هيئة عليا رفيعة المستوى لمتابعة التكامل الاقتصادي والإنمائي.
لا أعرف كيف يفهم القارئ الخليجي هذه المتابعة العربية غير الخليجية للشأن الخليجي، وربما لا يستسيغها أو لا يتقبلها من زاوية الحرص على الخصوصية الوطنية أو الخليجية. وهذا أمر مفهوم وربما شائع لدى المجتمعات العربية، فالمصريّون لا يتقبّلون تدخل الكتاب العرب الخليجيين أو المشرقيين أو المغاربة بشؤون مصر الداخلية على اعتبار أنها شؤون مصرية بحتة. الأمر عينه لدى المغاربة، ففي كثير من الأحيان لا يستسيغون الرأي المصري أو العربي في موضوعاتهم الداخلية السياسية والاجتماعية. وربما يكون الأمر الوحيد المباح هو الرأي في القضايا الإبداعية والثقافية، وهي أمور عابرة للحدود وتجتاح الأسواق الأخرى، مما يعطينا الحق في نقدها وتأييدها أو الاعتراض عليها.
الواقع العربي الآن تغيّر كثيراً بعد الزلازل التي ضربت استقرار معظم الدول العربية وأحدثت تصدعات بنيوية اجتماعية وسياسية ووطنية، كما هو الحال في ليبيا واليمن وسورية والعراق ولبنان، بالإضافة إلى التصدعات الفلسطينية. كل تلك التداعيات تركت أثرها على مجمل المجتمعات العربية بدون استثناء.
أمام تلك التطورات المأساوية لم يجد العرب المأزومون شقيقاً عربياً يلجؤون إليه أو قادرا على مدّ يد العون سوى دول مجلس التعاون الخليجي، وهو قصة النجاح الوحيدة للعمل العربي المشترك، والذي تصدّى لكل تلك التداعيات على تنوّعها، ومنها الاقتصادي. فهذا ما حصل مع مصر الشقيقة الكبرى ولا يزال، وكان آخرها الزيارة التاريخية للملك سلمان إلى القاهرة وما حملته من اتفاقيات إستراتيجية، بدءاً من الجسر الذي يعيد وصل ما انقطع بين عرب آسيا وعرب إفريقيا بسبب الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، بالإضافة إلى مشاريع التنمية الكبرى وفي منطقة سيناء حيث الإرهاب الذي يقلق مصر والعرب في آن.
أما على مستوى الأزمة في سورية فالجميع يعرف أنه لولا احتضان دول مجلس التعاون الخليجي للشعب السوري لأبيد ذلك الشعب العربي الذي هجّر نظامه ومعه إيران نصف سكانه إلى دول الجوار والعالم، وقتل ودمّر. الأمر عينه بالنسبة للعراق والمجازر التي ترتكب بحقّه منذ الاحتلال الأميركي الإيراني، وتقديم أميركا العراق هديّة مجانية لإيران. منذ ذلك الحين والشعب العراقي يعيش نكبة كبرى وآخرها ما يتعرض له عرب العراق من إيران وداعش على حدّ سواء.
أما في اليمن، فأعتقد أنّ الشعب الخليجي يعرف جيداً أهميّة عاصفة الحزم في اليمن وأهمية التحالف العربي العسكري الذي منع إيران من السيطرة على باب المندب ومضيق هرمز والتحكم بالملاحة النفطية في بحر العرب والبحر الأحمر على حد سواء، واستتباع إيران لليمن كما هو حاصل في سورية والعراق ولبنان إلى حدّ ما. هذا بالإضافة إلى الوقوف إلى جانب المغرب في قضيّة الصحراء المغربية. وكذلك الأمر بالنسبة للسودان والمساعدات الإنمائية الإستراتيجية.
لهذه الأسباب الطارئة لا يستطيع أي عربي من دول الأزمات أو من الدول المرشحّة للأزمات إلاّ أن يتابع بالكثير من الاهتمام أي اجتماع لمجلس التعاون الخليجي على مستوى القمة، إن على المستوى الوزاري أو على مستوى الاجتماعات المكثّفة لوزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي مع وزراء الدول الكبرى. وكذلك الأمر في الاجتماعات الدولية، مما يجعل من مجلس التعاون الخليجي الآن كل ما تبقى لدى العرب من ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم.
إنها تحديات كبرى تتصدى لها دول مجلس التعاون الخليجي، قادةً وحكومات وشعوبا، في الحفاظ على الهوية العربية أو الحفاظ على الدولة الوطنية في المجتمعات المأزومة أو المخترقة بالتدخلات الإيرانية، أو على المستوى الإنمائي للدول العربية المتعثرة اقتصادياً، أو على المستوى الإنساني بالنسبة للمهجرين والنازحين من الأشقاء العرب. والأهم من كل ذلك هو التصدي لإيران على مستوى كل الساحات، بعد أن أظهرت نواياها بالعبث في أمن واستقرار دول الخليج. وقد بدأ ذلك التصدي من البحرين بالقرار الشجاع وإرسال درع الجزيرة.
هذه قراءة متواضعة ومبسّطة للأسباب التي تجعل العرب المهتمين باستقرار دولهم ومجتمعاتهم يتابعون باهتمام شديد كل خطوات مجلس التعاون الخليجي المنتظمة والطارئة، لأنّه كل ما تبقى من النظام العربي على مستوى دول الجامعة بالتعاون مع مصر والأردن والمغرب والسودان، مما يجعل من اهتمام غير الخليجي في قمّة مجلس التعاون الخليجي أمراً ضرورياً وطبيعياً، لما لها من أثر إيجابي على كل المجتمعات غير الخليجية.
لهذه الأسباب وغيرها أصبحت الدول الكبرى وفي مقدّمتها الولايات المتحدة وروسيا وغيرهما تدرك أهمية التعاون مع مجلس التعاون الخليجي كشريك حقيقي في تحقيق الأمن والسلم الدوليين، بالإضافة إلى العمل على إعادة استقرار دول المنطقة بعد أن فتّتتها الفوضى الخلاقة والتغاضي عن تدخلات إيران، وأوّلها عودة البحث مجدداً في القضية الفلسطينية على أساس حل الدولتين، كما حدث بالأمس في باريس. وهذه قراءة غير خليجية للقمة الخليجية.