لظرف شخصي أسري خاص، عشت سواد الأسبوع الماضي متنقلا مع (لا بين) عشرات الأجهزة الطبية، وهي قصة خاصة لا دخل للقارئ الكريم بشيء من دهاليزها أو تفاصيلها الدقيقة. والخلاصة أنني خرجت من التجربة بما يمكن لي أن أختصره في الجملة التالية: إنها بالضبط تلك الهوة والفجوة الواسعة ما بين عقولنا المبدعة وبين قدرتنا على التزاوج والابتكار والإبداع في إنتاج هذه الأجهزة. دعوني أشرح المسألة بالتبسيط: نحن لدينا عقول طبية في غاية الدهشة، ولكننا لا زلنا في أمية مطلقة في عوالم التكنولوجيا والهندسة. الشاب السعودي، وعلى سبيل المثال، الذي يعمل على جهاز سي ساب للدفع التنفسي يستطيع بكل كفاءة برمجة شاشة الجهاز البالغة التعقيد، ولكنه وفي اللحظة الحرجة لم يتمكن أبداً من تشخيص الخلل الثانوي الهامشي الذي أدى بالجهاز لأن يدفع الأكسجين إلى خارج الأنبوبة، مما اضطره لاستدعاء فني أجهزة آسيوي استطاع أن يفتح قلب الجهاز كي يعيده إلى كامل طاقته في ظرف دقيقتين. وخذ للمفارقة المدهشة أيضا أن جهازا معروفا مثل (CT scan) يحتل قلب المستشفى الضخم وقادر، كما يقول الفنيون المختصون، على العمل بكفاءة كاملة، ولكن: قيمة هذا الجهاز الذي تم توريده بعدة ملايين يفتقد أنبوبة الصبغة التي تحقن في وريد المريض، وهي كبسولة صغيرة جدا وبحجم إبهام اليد، ويتم تصنيعها كما يقول الكاتلوج في مصانع طبية تمتد إلى 54 دولة على مستوى العالم بترخيص من شركة الابتكار والترخيص الأم. تكلفة الغرفة الواحدة في ومن أجهزة العناية المركزة تناهز المليوني ريال، ومع هذا تشعر بالحزن الشديد حين تكتشف أن الإبداع الطبي لشبابنا يفوق بمراحل قدرتهم على الإبداع والابتكار الهندسي في التعامل مع طوارئ هذه الأجهزة المعقدة. تشعر بالحزن الشديد حين تكتشف أن سريرا طبيا يغادرنا إلى المستودع بعشرات آلاف الريالات، لأننا لم نجد الكفاءة الهندسية التي تستطيع التعامل مع بعض أزراره الإلكترونية حين تكون في حاجة إلى صيانة بسيطة. بكل الاختصار، عشت سواد الأسبوع الماضي مع هذه الأجهزة الطبية في خيال يأخذني لأسماء شركاتها العالمية المنتجة، فلم أعد أحلم باليوم الذي نكون فيه جزءا من هذا الخيال التقني المدهش قدر حلمي أن نستطيع التفاعل مع المنتج في السؤال: كيف ولماذا يعمل هذا المسمار وما أهمية ذلك الزرار الإلكتروني في قلب تلك الآلة؟ وكما قال لي أحد الأطباء الكبار في المستشفى: مستقبل العلم هو في التناغم ما بين الطب والهندسة، وبدون الأخيرة كما قال لي مازحا: سيتحول الأطباء إلى مجرد نسخة محسنة لمشايخ الرقية.