وقد يكون من الخطأ الفادح لكاتب رأي أن يبث إلى جمهوره قصصه الشخصية وعواطفه الذاتية. لكنني أكتب لكم هذه الأيام بنفس مسروقة من رئته التي يتنفس بها. كم كانت أمي لي ذاكرة حياة. ذاكرة حداء. شيء من ألوان الخطوة والزحفة. أشياء من زملة الجرين، أغاني الرعاة، طرق الجمال وأغاني الحصاد وأهازيج أمصريم وأناشيد الضباب والمطر.
اخترت أن أكتب هنا المقال بصحبة الصديق الأخ، ملك المشاعر، إبراهيم طالع الألمعي: ذلك الذي كتب أمه وافطماه في ديوان شعري خاص ثم فاز بفضل أمه بأغلى الجوائز. أعرف جيداً كم كانت له فاطمة: يقول لي الآن: هذه الجبال ولدت على الغناء وتمرض مع الغناء. العزاء حتى فيها أنشودة فراق. هنا شيء من قصة أمي: بعد مغرب ما قبل الأمس تم تجريد عضدها الأبيض من بناجر الذهب. تم إخلاء أصابعها من خواتم الفضة. قلت لأخواتي الأربع: هذا تجريف وبدء تجريد من الحياة ولست شاعراً كي أكتب أيام أمي الباقية في قصيدة. أنا مجرد سلطان للدموع عاشت له أمه خمسين سنة وكل دقيقة فيها تفوق الثانية.
هنا ما كتبته مهدية الدحمانية في تأبين وافطماه.. هو ينطبق علي تماماً: أبجدية الأزد هي أزمنة مخضرمة في حنايا حروفه، عمره من عمر أعلى طور شعفي، بشرية هي نسج قممها وأوديتها وإصدارها.. وبعث عبق أوديتها حين أرضعته وفي نورة لبنا ممزوجاً بأهازيج الراعية.. ونفحات البرك والريحان.. ذاك هو أبو لمى علي بن سعد الموسى.. يتربع على دهر من الرجولة.. يأبى إلا أن يظل طفلاً في يده اليسرى حفنة من طين قريته.. وفي الأخرى حداثة نيويورك التي لم تنسه شال أمه وهو يبكي عليها كل مساء ذات ذكرى أمي هي ميراث عمها عبدالرحمن كي يظل حلمه فسيحاً كمنديل راعية.. يحمل ريشة وسنبلة بر مثلما كان يحمل بنات إخواته العشر.. ويمضي في موكب أمة لا زالت تحلم بالمطر والحقول الخضراء... انتهت المساحة فلم تنته أسطورة نورة.