جاءت مصادقة المملكة على اتفاقية تيسير التجارة للاستفادة من المزايا التي توفرها تلك الاتفاقية للدول النامية، ومنها زيادة الثقة في قدرة صادراتنا غير النفطية على النفاذ إلى الأسواق العالمية
ابتداء من تشرف مكانتها قبلة لثلث سكان العالم من المسلمين، ومروراً بموقعها الجغرافي المميز الذي يربطها بأكبر القارات الثلاثة، وإشراف حدودها المائية على ضفاف أهم الممرات البحرية، تعتبر المملكة اليوم مؤهلة لتكون المعبر الرئيس لمرور أكثر من 30% من حجم التجارة العالمية التي تفوق قيمتها 3.6 تريليونات دولار أميركي. وهذا يضع المملكة على قائمة أفضل المواقع الاستراتيجية المشرفة على طريق الحرير الصيني، الذي يربط 65 دولة ويمر من خلاله حوالي 2 تريليون دولار من الصادرات السلعية، مما يؤهل الصادرات السعودية للتفوق في مجال التجارة العالمية وإضافة العوائد الصافية لميزانية المملكة التي قد تصل لأضعاف عوائدها النفطية. من هذا المنطلق سارعت المملكة في الأسبوع الماضي للمصادقة على اتفاقية تيسير التجارة، ليرتفع عدد الدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية المصادقين عليها إلى 82 دولة. وبهذه المصادقة تستطيع المملكة ابتداءً من اليوم تطبيق أحكام المواد الخامسة والثامنة والعاشرة من اتفاقية الجات لتسريع حركة نفاذ الصادرات السعودية للأسواق العالمية وتيسير وسائل تخليصها الجمركي والإفراج عنها، بما في ذلك صادرات الترانزيت العابرة، إضافة إلى تعضيد التعاون بين المملكة والدول الأعضاء في المنظمة بشأن القضايا التجارية وتوفير الدعم اللازم لبناء قدرات الدول النامية والأقل نمواً.
ونظراً لأن هذه الاتفاقية تمنح الجمارك السعودية القدرة على تطبيق بنودها، التي تحتوي على 41 معياراً نظامياً و13 مادةً قانونية، وتهدف جميعها إلى تيسير التجارة بين الدول من خلال تبسيط المتطلبات الإدارية والوثائق المستندية ذات الصلة بحركة الاستيراد والتصدير وتخفيض كلفتها وجعلها تتوافق مع أفضل المعايير الدولية، بما في ذلك الإجراءات التقنية، فإنها أيضاً تساهم في زيادة التنسيق بين الجهات الرسمية العاملة في المعابر الحدودية بشكل يحقق التوازن بين مصالح قطاع التجارة والأعمال والمصالح التنظيمية والرقابية.
وتحتوي اتفاقية تيسير التجارة على 5 أحكام أساسية تختص بالشفافية والإفصاح ونشر المعلومات الخاصة بالرسوم المفروضة على عمليات الاستيراد والتصدير ومرور الترانزيت، وتعزيز مبدأ الحيادية وعدم التمييز بين الدول الأعضاء في الضوابط وإجراءات التفتيش والحجز والفحص، وتسريع سبل الاستئناف في القضايا الجمركية، والتعاون بين الجمارك الحدودية لتسهيل حركة السلع المستوردة الخاضعة للرقابة الجمركية، إضافة لتوفير نصوص المعاملة التفضيلية والخاصة بالسلع المستوردة من الدول النامية والأقل نمواً.
في المؤتمر الوزاري التاسع لمنظمة التجارة العالمية المنعقد خلال الفترة 3-6 من ديسمبر 2013 بمدينة بالي الساحرة في إندونيسيا، أقرَّت 162 دولة عضو في المنظمة اتفاقية تيسير التجارة، لتحقق النجاح الأول لجولة المفاوضات التجارية متعددة الأطراف، التي بدأت قبل 15 سنة، وبذلك تصبح هذه الاتفاقية الأحدث من بين اتفاقيات المنظمة البالغ عددها 29 اتفاقية. ولدى مصادقة ثلثي الدول الأعضاء عليها، ستدخل هذه الاتفاقية حيز النفاذ لتصبح إلزامية على كافة الدول الساعية للانضمام إلى المنظمة.
لذا، وللمرة الأولى منذ الأزمة المالية العالمية في 2008، توقعت المنظمة الخميس الماضي نمو حجم التجارة العالمية بنسبة 3.6% في 2017، مما يدعو للتفاؤل في عودة الانتعاش الاقتصادي العالمي، خاصة بعد اتفاق الدول الأعضاء في المنظمة على إلغاء الدعم المحظور على الصادرات الزراعية، ليصبح هذا القرار الأكثر عدالة في مسار التجارة العالمية منذ تأسيس المنظمة في عام 1995. ونظراً لأن هذا الاتفاق، الذي تم التوصل إليه في يوليو من العام الماضي، يؤدي إلى زيادة التبادل التجاري بين الدول وتسريع وتيرة الصادرات، فإنه أيضاً يتزامن مع موافقة الدول الأعضاء على خفض الرسوم الجمركية على منتجات تقنية المعلومات بقيمة 1.3 تريليون دولار، مما دعا المنظمة إلى تعديل توقعاتها الحالية لنمو الصادرات العالمية في العام الجاري إلى 4.4% في أميركا الشمالية و3.1% في آسيا و2.8 % في أوروبا و0.5% في أميركا الجنوبية. ومن هنا جاءت مصادقة المملكة على اتفاقية تيسير التجارة في الأسبوع الماضي لتكون ثاني دولة عربية بعد الإمارات في تحقق هذا الإنجاز، ولتصبح المملكة عضواً فعالاً في المنظومة التجارية والاقتصادية العالمية، للاستفادة من المزايا العديدة التي توفرها تلك الاتفاقية للدول النامية، ومنها زيادة الثقة في قدرة صادراتنا غير النفطية على النفاذ للأسواق العالمية، وارتفاع الميزة التنافسية لمنتجاتنا الوطنية، خاصة في قطاعات الصناعات التكميلية والاستهلاكية.
من خلال هذه الاتفاقية سيحقق الاقتصاد السعودي الكلي والجزئي للمؤسسات والشركات مكاسب كبيرة، تؤدي جميعها إلى تحقيق النمو الصحي في الناتج المحلي الإجمالي والتجارة الخارجية للمملكة في ضوء تطبيق الدول لقواعد الاستيراد الموحدة، وعدم استخدامها للقيود غير الجمركية، مما يزيد من نفاذ صادراتنا الوطنية لأسواق هذه الدول، مع إمكانية تطبيق التدابير الوقائية في السوق المحلي لتوفر الحماية المؤقتة للمنتجات المحلية، وتعزيز أحكام مكافحة الإغراق، وإتاحة الفرصة لتحسين كفاءة قطاع الخدمات.
ونظراً لما تنص عليه اتفاقية تيسير التجارة من قواعد وأحكام تهدف لتسريع حركة استيراد وتصدير السلع وفسح وتخليص البضائع، فإن هذه التدابير تعزز دور الجمارك كجهة رقابية وتنفيذية، وتحسن كفاءة وفعالية الخدمات الجمركية، إلى جانب زيادة التعاون والتنسيق الفعال بين الجهات الحكومية ذات العلاقة بالتجارة الخارجية لتيسير إجراءات تحديد القيمة للأغراض الجمركية، ودراسة إمكانية إعادة النظر في التعرفة الجمركية في ضوء المصادقة على الاتفاقية.
جميع هذه المكاسب سيكون لها أثر إيجابي حقيقي على المستهلك وتؤدي إلى رفع دخله وتحسين مستوى رفاهيته.