نقترح على وزارة التعليم إلزام المعلمين بعدد معين من الساعات التدريبية سنويا في مجال التخصص وفي مجال المهارات التربوية والقيادية

تحرص كبرى الشركات والمؤسسات المرموقة حول العالم على تطوير وتدريب موظفيها من فترة لأخرى حتى تواكب ما يستجد في المجالات التي تعمل عليها، ولهذا نجد أن أقسام تنمية الموارد البشرية في تلك المؤسسات الخاصة وأقسام شؤون الموظفين في المنشآت الحكومية تحظى بامتيازات كبيرة من أهدافها وميزانياتها، ومن الرعاية التي تشمل جميع الموظفين لأن في العناية بهم تدريبا وتطويرا تأثير ينعكس إيجابا على نمو وتطور المؤسسة ذاتها. ولأن التعليم هو العجلة الأولى التي تقود المجتمعات نحو النماء ومواكبة التطور وتصدرها الصفوف الأولى في الدول المتقدمة حضاريا وتنمويا، فإن الاهتمام به يؤخذ في الحسبان عند القائمين عليه، اهتمام بالعملية التعليمية كاملة بدءا من المباني المدرسية مرورا بالطالب ومناهجه الدراسية وصولا إلى القائمين على تعليمه في الميدان التربوي من مشرفين وقادة ومعلمين.
المعلم هو سر نجاح العملية التعليمية الأول، فمهما يكن المنهج الدراسي أو الوسائل التعليمية من مكان وأدوات متطورة، ولكنها بين يدي معلم غير متمكن مهنيا أو تربويا فإن هذا سينعكس على الطالب سلبا، والعكس صحيح. لذا تأتي أهمية التدريب والتأهيل مضاعفة للمعلمين ويصبح الرفع من كفاءتهم المهنية وتنمية مهاراتهم التعليمية والتربوية بشكل مستمر ضرورة ملحة، خاصة مع التسارع التقني والانفجار المعلوماتي في هذا العصر.
المتتبع لخطط الرؤية السعودية 2030 يلحظ أنها تعطي التعليم اهتماما خاصا، وفي إعلان تفاصيل برنامج التحول الوطني الذي عقد قبل عدة أيام، والذي يعد أحد برامج الرؤية السعودية، يعد التعليم أساس هذا التحول والركيزة التي يعول عليها تحقيق أهداف الرؤية، وقد أعلن وزير التعليم الدكتور أحمد العيسى عن عدة مبادرات تعليمية وعدد من البرامج والتحديات التي تسعى الوزارة إلى التعامل معها خلال السنوات القادمة. يأتي من ضمن هذه الأهداف إعداد وتطوير وتأهيل المعلمين والذي يدخل ضمن إطاره ما أعلنه الوزير خلال المؤتمر الصحفي عن ابتعاث قرابة ألف معلم ومعلمة العام المقبل، وقد أعد لهذا الشأن برنامجا خاصا بدأ العمل عليه مبكرا يعرف باسم خبرات.
يقوم برنامج التطوير المهني النوعي للمعلمين خبرات على شراكة عالمية مع دول تتمتع بالخبرة والتجارب التعليمية المميزة تستهدف تدريب المعلمين في تلك الدول وفق المعايير العالمية والمتطلبات الأساسية للعمل التعليمي وحسب احتياجات وزارة التعليم من تطوير مهني وتأهيل تربوي لمعلميها بما ينسجم مع خططها ويدخل ضمن أهدافها المستقبلية القائمة ضمن الرؤية السعودية 2030 والقائمة على ضرورة التنمية البشرية في منسوبي هذه الوزارة. قام البرنامج على معايير محددة وضعت لاختيار المرشحين الذين سيسهمون في عملية التغيير والتطوير الذي تحتاجه الوزارة عند إنهاء متطلبات هذا البرنامج. وكأي برنامج جديد في أي وزارة فإن التساؤلات والتكهنات حوله تزيد، خاصة أنه في نسخته الأولى ويقوم بخطوة تدريبية غير مسبوقة في وزارة التعليم، وأنه حتى اللحظة حسب برنامجه الزمني لم يتم الإعلان عن عدد وأسماء المرشحين المقبولين بشكل نهائي فيه.
قادتني الضرورة للتواجد ضمن تجمع كبير لعدد من المعلمين والمعلمات المتقدمين لهذا البرنامج وعلى مدى عدة أيام كنت قريبة جدا من تساؤلاتهم ومخاوفهم وآمالهم الكبيرة فيه، وطموحهم الجاد لإحداث تغيير حقيقي في الميدان التربوي بمساعدة مثل هذه المبادرات التي تمنح الفرصة للمؤهلين للمساهمة في التطوير الذي تحتاجه العملية التربوية، ويكاد يجمع عليه جميع المنتسبين إليها. وبالتأكيد أن الوزارة قد وضعت آلياتها الخاصة لتطبيق هذا البرنامج الضخم قبل وبعد انتهاء مرحلة التدريب، ولن نتناول المستقبل بأي توقعات الآن حتى نكون منصفين، ولكن بعيدا عن الإجماع على أهمية التدريب المهني للمعلمين نتساءل عن جدوى التدريب الدولي لهم، خاصة أن البرنامج يستهدف المعلمين من جميع التخصصات ودول الشراكة المعلنة تعتمد على اللغة الإنجليزية في نظامها التعليمي. الاصطدام بحاجز اللغة قد يكون عائقا أمام من يرغب في التقدم لمثل هذا البرنامج مع أن الوزارة وضعت ضمن الخطة التدريبية الالتحاق بمعهد لتعلم اللغة الإنجليزية قبل المباشرة في برامج التعايش التالية. هذه النقطة ليست قطعا جانبا سلبيا في البرنامج، بل إنها تلفت النظر لضعف التأهيل اللغوي لدى الغالبية العظمى من المعلمين، والتدريب في الدول المختارة سيكون لها دون شك فائدة فكرية وسلوكية على المتدربين واكتساب مهارات تعليمية متطورة بشكل مباشر، فضلا عن الفائدة اللغوية التي ستتحقق. وحتى تصبح للبرنامج نسخ أخرى في السنوات القادمة ينبغي على منسوبي سلك التعليم الاهتمام بتعلم اللغة الإنجليزية مبكرا حتى يتسنى لهم تجاوز هذا الشرط عند الرغبة في الالتحاق بهذا البرنامج مستقبلا. وهذا يفتح باب التساؤل مجددا حول الشروط الموضوعة لبرنامج خبرات ومنها عدد الساعات التدريبية التي حصل عليها المعلم خلال فترة عمله بالوزارة والمعتمدة من إدارة التدريب والابتعاث بالتعليم، والتساؤل ليس في أحقية مثل هذا الاشتراط، بل في واقع بعض المعلمين الذين لاحظت من خلال هذا التجمع وغيره أنه بالرغم من سنواتهم الطويلة في التعليم لا يوجد لديهم رصيد مرضي من الساعات التدريبية، فهل كان التقصير من الإدارات التدريبية أم من المعلمين أنفسهم؟ ونترك إجابة هذا السؤال مفتوحة للطرفين ونقترح على وزارة التعليم إلزام المعلمين بعدد معين من الساعات التدريبية سنويا في مجال التخصص وفي مجال المهارات التربوية والقيادية وأية مجالات أخرى تنموية وفكرية مناسبة تسهم في رفع كفاءة المعلم وتطوير التعليم، وحتى لا يحدث التفرغ للتدريب إرباكا في سير العملية التعليمية، يفتح المجال للتدريب في الفترة المسائية وفي إجازات الصيف الطويلة وتستحدث لها حوافز معنوية ومادية مناسبة.
عودة إلى برنامج خبرات فهو اليوم يعد نقطة تحول في سير العمل التدريبي في وزارة التعليم، والجميع يترقب النتائج التي سيحققها والتي نأمل -بإذن الله- أن تكون مشرفة وتسهم في تطوير التعليم حسب الآليات المعدة عند عودة المعلمين لتنفيذه في مختلف المناطق، وأن تضع الوزارة في الاعتبار أن ابتعاث المعلمين وتدريبهم وتطويرهم بأهمية ابتعاث الطلاب الجامعيين إن لم يتفوق عليه، وحتى يبدع أي موظف في مجاله يجب أن يتحقق له الأمان الوظيفي ماديا ونفسيا ومهنيا. نعول كثيرا على خبرات أن يثري الميدان التعليمي في نسخته الأولى ونعول كثيرا على من سيقع عليهم الاختيار في تمثيل وطنهم في دول الشراكة واغتنام فرصة التواجد في بيئات تعليمية متطورة لنقلها مستقبلا للميدان التربوي مباشرة، وتحقيق أهداف التحول الوطني ورؤى ولاة الأمر وطموحهم بمستقبل ينهض بسواعد أبنائه المتميزين علما وتربية.