رمضان فرصة عظيمة لليقين بأن التحديات التي تواجهنا غير مستعصية على الحلول، حتى وإن كانت هناك صراعات فكرية، أو طائفية؛ فلا ينبغي أن تصرفنا عن استكمال هويتنا الدينية 'المعاصرة'

فالحمد لله وحده أن بلغنا شهر رمضان المبارك، وبمناسبته الغراء أجدد التهنئة لكم بشهوده، راجيا من الله -سبحانه وتعالى- أن يعيدنا إليه كرَّات بعد مرات، وأن يتقبل منا الصيام والقيام، وأن يوفقنا لغيرهما، ويتقبل كل ذلك منا.
رمضان -هذا العام- بالخصوص فرصة عظمى للبحث بعمق في سبل تحقيق التآلف بيننا؛ كيف يمكن أن نتجنب الصغائر والجزئيات التي قضّت مضاجعنا، لا لشيء؛ إلا لأن الوعي الشرعي قد ضعف، وحب الظهور قد استفحل، والانسجام بين الناس قد انعدم.
إشكالياتنا قد تكون كثيرة، نعم، وقضايانا ربما تكون مختلفة جدا، ومع هذا فإن صراعاتنا ينبغي أن تتوقف. عالمنا اليوم يعيش أحداثا جساما، وعلى الرغم من ذلك نجد بيننا من يتمسك بالصغائر، ويعظم الجزئيات؛ غير مدرك بأن المطلوب هو النظر إلى الجزئي من خلال الكلي، وأن غير ذلك خطأ جسيم، وتصور عقيم.
شهر رمضان فرصة عظيمة لليقين بأن التحديات التي تواجه الفرد أو المجموع غير مستعصية على الحلول، حتى وإن كانت هناك صراعات فكرية، أو طائفية؛ فلا ينبغي أن تصرفنا عن استكمال هويتنا الدينية المعاصرة، دون تغييب للأمن، ودون ابتعاد عن أن أمتنا ينبغي أن تكون جسدا واحدا، وإن تباعدت بها الأمكنة، والأزمنة.
هناك قيم كثيرة تجمع الناس، بغض النظر عن العِرق، أو اللون، أو الجنس، أو الدين، وهنا يتجلى دور العلماء والمثقفين في تعزيز المشتركات، والنأي بالناس عن النعرات، وتعليمهم كيف يمكن أن يدبروا اختلافاتهم، ويعيشوا فيما بينهم باحترام.
لقد ركزت التربية المحمدية على المبادئ العظمى التي تخدم وحدة هذه الأمة، وتدفع عنهم كل أسباب التفرقة، وكل الاختلافات المذمومة، وبدا هذا واضحا من خلال نصوص شرعية كثيرة، من أبرزها عن سليمان بن صرد، قال: قرأ أبي بن كعب آية، وقرأ عبدالله بن مسعود آية خلافها، وقرأ رجل آخر بخلافهما، فقال أُبي: فأتيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقلت: ألم تقرئني آية كذا وكذا، كذا وكذا؟ وقال ابن مسعود: ألم تقرئني آية كذا وكذا، كذا وكذا؟ قال: بلى، كلكم محسن مجمل...
شهر رمضان فرصة لاستلهام مبادئ ديننا الحنيف، وقيمه السامقة، في نبذ كل ما يؤدي إلى العنف والكراهية، والبحث عن كل سبيل يؤدي بالناس جميعا إلى المحافظة على جمال تعددهم، وتنوعهم، وتعظيم كل الحلول الموصلة إلى أن نكون أمة داعية إلى الخير، دائما أبدا.
أسأل الله العلي القدير، أن يحمينا من الشر والأشرار، ويجمع بنا شمل أمتنا، ويصلح لنا سرائرنا، ويجعل من رمضاننا المبارك هذا فرصة لتحقيق جميع آمالنا.