أكبر عائق ستواجهه الدولة على المستوى الأيديولوجي يكمن في تفكيك العقلية الريعية والعقلية الدينية المتزمتة، لأن تحالف الفكر الريعي مع التزمت الديني هو سبب ما نراه من شلل في الإرادة الاجتماعية التي تحاول الحكومة الآن استنهاضها بكل الطرق
في إجازة صغيرة عائد لأبها من مدينة الخبر أخذت أبنائي في سيارتي القديمة وبيد كل واحد منهم جهازه الخاص، وفي محاولة مني وأمهم لتوحيد الحديث داخل السيارة طلبنا من كل شخص في السيارة أن يختار الموسيقى أو الأغنية المناسبة عبر شبكة النت المحمولة نقطع بها الطريق أخذاً بما ورد في الأثر (الغناء زاد الراكب وقيل زاد المسافر)، ولأن المسافة من أبها إلى شاطئ البحر تقارب السبعين كيلومترا، وقد كانت جولة غنائية على أذواق مختلفة فمن مرسيل خليفة في (جبل الباروك) إلى أديل في (هالو اتز مي)، مروراً بسعد المجرد في (إنت معلم) إلى شيلة (يا سعود العلي) ثم لارا فابيان في (جوتيم)، وأخيرا بدأ النقاش الفني داخل السيارة يحتدم عندما فاجأنا أحد الركاب (أبنائي) بمقطع همهمة غريبة انتهت بافتتاح الكلام: (يا مطوع لا تروع أنت الأروع)، وعندما دافع صاحب المقطع عن رأيه وتدخلت أمه للدفاع عنه بحجة الديمقراطية قلت لابني: لا حرية لأعداء الحرية لسبب بسيط، فهؤلاء ليسوا ذوقا فنيا ضمن طيف الأذواق الأخرى، فأصحاب هذا النوع من التوجه أعداء للحرية، فالحرية دليلها قبول التعددية، ولن يقبلوا ما حصل في هذه السيارة الآن من جولة فنية على مختلف الأذواق المتعددة، ولن يحترموا التعددية لأن التعددية في تكوينهم العقائدي عدوهم الأول، فالتعددية تعطيل للشريعة كما يتوهمون، بل سيقودونك إلى الهروب من بيت والديك بحجة المعاصي، فيغذونك بحكايات فرار الصحابة بدينهم من أرض إلى أرض فتفر من منزلي إلى منازلهم ومنها إلى أقرب منطقة ساخنة في العالم باسم الجهاد، فازدرتني زوجتي ورأت أني أبالغ، ولإثبات رأيي وأثرهم الممتد حتى في حياتنا الخاصة سألت أبنائي عن الدراجة الهوائية (السيكل) لماذا زميلكم فلان يستخدمها من بعد الظهر إلى غروب الشمس يجول بها في شوارع الحي، فقالوا: يتسلى ويلهو، فقلت لهم: ولماذا عجز عن استخدامها صباحا للذهاب إلى المدرسة بدلا من سيره على قدميه كل تلك المسافة يومياً فقالوا: ما أحد يفكر بالطريقة هذه، السيكل للعب وبس.
فقلت لهم هل عرفتم كيف أن المسألة تتجاوز مجرد كلمات، إن بعض المطاوعة قبل سبعين عاما تقريبا حرَّموا السيكل وكانوا يسمونه ركوبة الشيطان، وبعد أن أصبح ركوبه عاديا بقي في العقل الجمعي مقابل للهو واللعب، وعجز العقل الجمعي أن يدرك النفع العام الذي فيه، وأنه في الأصل وسيلة من وسائل المواصلات التي مرت بها البشرية مثلها مثل الدواب والسيارات، ولكن التأصيل الفقهي للتحريم تجاه السيكل أنجب لنا هذه المفارقة الغريبة في السلوك الاجتماعي لولد يستخدم السيكل في كل شوارع الحي ولا يستطيع أن يستخدمه ذهاباً وإياباً للمدرسة، فعقله يربط السيكل باللهو فقط وليس بالنفع، ومثلها انتشار لبس الشماغ الأحمر على حساب الغترة البيضاء التي كان بعضهم يحرمونها، وبقي أثر التحريم في نسبة المبيعات بين السعوديين بينما دول الخليج المجاورة عاشت تلبس على رؤوسها البياض أكثر من الشماغ بحكم مناسبتها للمناخ الحار أكثر من الشماغ الأحمر الثقيل، وكل هذا تأمل شخصي لا توجد عليه دراسات علم اجتماع لتؤكده أو تنفيه، لأن الجامعات للأسف قد لا تستطيع مناقشة مثل هذه الظواهر وفق هذه المعطيات، بل تطرح المسائل في كل التخصصات النظرية وفق معطيات كبلها العجز والخوف من تغول زمن مضى، والعقلاء يكفيهم سعيد سريحي واحد عجزوا أن يستردوا حقه حتى هذه اللحظة، وهكذا تحصل التشوهات في العقل الجمعي لنصل إلى ما وصلنا إليه عندما جاءت رؤية 2030 لنكتشف أن أكبر عائق ستواجهه الدولة على المستوى الأيديولوجي يكمن في تفكيك العقلية الريعية والعقلية الدينية المتزمتة، لأن تحالف الفكر الريعي مع التزمت الديني هو سبب ما نراه من شلل في الإرادة الاجتماعية التي تحاول الحكومة الآن استنهاضها بكل الطرق، فالشعب داخل بلده شبه مشلول أن يكون طبيعياً في كل الاتجاهات تقريباً (الرجل يبيع على المرأة عادي، المرأة تبيع على الرجل حرام، الرجل الأجنبي يسوق بالمرأة عادي، المرأة تسوق حرام، الرجل يفرح بسفر ابنته مبتعثة لأميركا لتحضر المحاضرات الجامعية في جو مختلط بأناس غير مسلمين مع أستاذ غير مسلم يناقشها وتناقشه، ويرفض نفس الأب أن يرى عميد الكلية السعودي يجتمع بابنته ضمن مجموعة طالباته في الكلية لمناقشة قضاياهم، يشتكي مجموعة من الرجال من أجل حقوق المطلقات والأرامل، فإن صدر لهن الحق بحرية التنقل واستئجار السكن ببطاقة الأحوال وإصدار بطاقة عائلية يغضب الشاكون!!)، وبمجرد أن يخرج الناس خارج الحدود يعودوا ناسا طبيعيين بسلوك طبيعي.
ولهذا فإن رصد تاريخ هذا الشلل الاجتماعي بأمانة ودون مواربة يؤكد أن الفكر الريعي وتحالفه مع الفكر الديني أنشأ مثل هذه التشوهات، فكلنا يعرف أن عمال أرامكو الأوائل كانوا سعوديين وعمال البناء لأقدم المدن العسكرية في السعودية، حسب ما يذكر لي أحد الكهول، كانوا سعوديين أيضا، وليس مطلوبا أن نبدأ بتحويل أبنائنا إلى عمال، ولكن قطعاً يجب أن نبدأ باستنبات ثقافة العمل والإنتاج في أبنائنا ونترك الباقي لقدراتهم الخاصة، فأن يأتي طبيب أسنان أو مهندس يبحث عن وظيفة حكومية، يشبه أن يأتي سمكري وسباك يبحث عن وظيفة، لا يوجد فرق، يجب على أبنائنا أن يفهموا هذه الحقيقة التي تقتضي أن الوظيفة الحكومية لن تكون هي المستقبل الحقيقي للشباب، الحكومة مجرد هيكل سياسي موجود لخدمة المواطنين، وعموم المواطنين شركاء في هذا الوطن وفق معطى الدولة بالمعنى الحديث، وأؤكد دائماً على معطى الدولة الحديثة بمؤسساتها المدنية الأهلية الضامنة أكثر من مؤسساتها الحكومية، لأن الدولة بالمعنى الكلاسيكي التاريخي ليس فيها إلا صراع العروش والحروب الطائفية والطغيان الفردي، بينما معايير الدولة الحديثة التي أنتجت ميثاق حقوق الإنسان العالمي تحول دون هذه التغولات ما بين الكتل الشعبية نفسها على اختلاف مشاربها الطائفية والعرقية وما بين الحكومة والمواطنين، وعليه فالفكر الريعي والفكر الديني المتزمت إما أن يرتفعا عن كاهل الناس، وإما على الأجيال القادمة أن تدفع أثمانا لا يتمناها المخلصون لأبناء وطنهم.